فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 1045

وفي الحديث الذي رواه أحمد، من حديث أيوب، عن أبي قِلابة، عن رجل من أهل الشام عن أبيه أن النبي صلىلله عليه وسلم قال له: (أسْلِمْ تَسْلَمْ) قال: / وما الإسلام؟ قال: (أن تُسْلِم قلبك للّه، ويَسْلَم المسلمون من لسانك ويدك) قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال: (الإيمان) قال: وما الإيمان؟ قال: (أن تؤمن باللّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت) قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: (الهجرة) قال: وما الهجرة؟ قال: (أن تهجر السوء) قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (الجهاد) قال: وما الجهاد؟ قال: (أن تجاهد الكفار إذا لقيتهم ولا تُغَلُّ ولا تَجْبنُ) ثم قال رسول اللّه صلىلله عليه وسلم: (ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما) قالها ثلاثًا (حجة مبرورة؛ أو عمرة) وقوله: (هما أفضل الأعمال) أي بعد الجهاد؛ لقوله: (ثم عملان) ، ففي هذا الحديث جعل الإيمان خصوصًا في الإسلام، والإسلام أعم منه، كما جعل الهجرة خصوصًا في الإيمان والإيمان أعم منه، وجعل الجهاد خصوصًا من الهجرة والهجرة أعم منه. فالإسلام أن تعبد اللّه وحده لا شريك له مخلصًا له الدين.

وهذا دين اللّه الذي لا يقبل من أحد دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولا تكون عبادته مع إرسال الرسل إلينا إلا بما أمرت به رسله، لا بما يضاد ذلك؛ فإن ضد ذلك معصية، وقد ختم اللّه الرسل بمحمد صلىلله عليه وسلم فلا يكون مسلمًا إلا من شهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدًا عبده ورسوله، وهذه الكلمة بها يدخل الإنسان في الإسلام. فمن قال: الإسلام الكلمة وأراد هذا، فقد صدق، ثم لابد من التزام ما أمر به الرسول من الأعمال الظاهرة، كالمباني الخمس، ومن ترك من ذلك شيئًا نقص إسلامه/ بقدر ما نقص من ذلك، كما في الحديث: (من انتقص منهن شيئًا فهو سَهْمٌ من الإسلام تَرَكَهُ) .

وهذه الأعمال إذا عملها الإنسان مخلصًا للّه ـ تعالى ـ فإنه يثيبه عليها، ولا يكون ذلك إلا مع إقراره بقلبه أنه لا إله إلا اللّه وأن محمدًا رسول اللّه، فيكون معه من الإيمان هذا الإقرار، وهذا الإقرار لا يستلزم أن يكون صاحبه معه من اليقين ما لا يقبل الرَّيْب، ولا أن يكون مجاهدًا ولا سائر ما يتميز به المؤمن عن المسلم الذي ليس بمؤمن، وخلق كثير من المسلمين باطنًا وظاهرًا معهم هذا الإسلام بلوازمه من الإيمان، ولم يصلوا إلى اليقين والجهاد، فهؤلاء يثابون على إسلامهم وإقرارهم بالرسول مجملًا، وقد لا يعرفون أنه جاء بكتاب، وقد لا يعرفون أنه جاءه ملك، ولا أنه أخبر بكذا، وإذا لم يبلغهم أن الرسول أخبر بذلك لم يكن عليهم الإقرار المفصل به، لكن لابد من الإقرار بأنه رسول اللّه، وأنه صادق في كل ما يخبر به عن اللّه.

ثم الإيمان الذي يمتاز به فيه تفصيل، وفيه طمأنينة ويقين، فهذا متميز بصفته وقدره في الكمية والكيفية، فإن أولئك معهم من الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله وتفصيل المعاد والقدر ما لا يعرفه هؤلاء.

وأيضًا، ففي قلوبهم من اليقين والثبات ولزوم التصديق لقلوبهم ما ليس مع هؤلاء، وأولئك هم المؤمنون حقًا، وكل مؤمن لابد أن يكون مسلمًا، فإن الإيمان يستلزم الأعمال، وليس كل مسلم مؤمنًا هذا الإيمان المطلق؛ لأن/ الاستسلام للّه والعمل له لا يتوقف على هذا الإيمان الخاص، وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة الناس إذا أسلموا بعد كفر أو ولدوا على الإسلام والتزموا شرائعه، وكانوا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت