(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء - إن استحبوا الكفر على الإيمان -) . .
وهكذا تتقطع أواصر الدم والنسب , إذا انقطعت آصرة القلب والعقيدة. وتبطل ولاية القرابة في الأسرة إذا بطلت ولاية القرابة في الله. فلله الولاية الأولى , وفيها ترتبط البشرية جميعا , فإذا لم تكن فلا ولاية بعد ذلك , والحبل مقطوع والعروة منقوضة.
(ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) . .
و (الظالمون) هنا تعني المشركين. فولاية الأهل والقوم - إن استحبوا الكفر على الإيمان - شرك لا يتفق مع الإيمان.
ولا يكتفي السياق بتقرير المبدأ , بل يأخذ في استعراض ألوان الوشائج والمطامع واللذائذ ; ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة ومقتضياتها في الكفة الأخرى: الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة [وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج] والأموال والتجارة [مطمع الفطرة ورغبتها] والمساكن المريحة [متاع الحياة ولذتها] . . وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله. الجهاد بكل مقتضياته وبكل مشقاته. الجهاد وما يتبعه من تعب ونصب , وما يتبعه من تضييق وحرمان , وما يتبعه من ألم وتضحية , وما يتبعه من جراح واستشهاد. . وهو - بعد هذا كله -"الجهاد في سبيل الله"مجردا من الصيت والذكر والظهور. مجردا من المباهاة , والفخر والخيلاء. مجردا من إحساس أهل الأرض به وإشارتهم إليه وإشادتهم بصاحبه. وإلا فلا أجر عليه ولا ثواب. .
(قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها , وتجارة تخشون كسادها , ومساكن ترضونها , أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله. . فتربصوا حتى يأتي الله بأمره. . .)
ألا إنها لشاقة. ألا وإنها لكبيرة. ولكنها هي ذاك. . وإلا:
(فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) .
وإلا فتعرضوا لمصير الفاسقين:
(والله لا يهدي القوم الفاسقين) . .
وهذا التجرد لا يطالب به الفرد وحده , إنما تطالب به الجماعة المسلمة , والدولة المسلمة. فما يجوز أن يكون هناك اعتبار لعلاقة أو مصلحة يرتفع على مقتضيات العقيدة في الله ومقتضيات الجهاد في سبيل الله.
وما يكلف الله الفئة المؤمنة هذا التكليف , إلا وهو يعلم أن فطرتها تطيقه - فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها - وإنه لمن رحمة الله بعباده أن أودع فطرتهم هذه الطاقة العالية من التجرد والاحتمال ; وأودع فيها الشعور بلذة علوية لذلك التجرد لا تعدلها لذائذ الأرض كلها. .