فهرس الكتاب

الصفحة 545 من 1045

سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَاسْتَفْهَمُوهُ عَنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَة بِمُرْتَكِبِهَا فَأَجَابَ بِأَنَّ أَحْكَامَهُمْ جَارِيَةٌ مَعَ أَحْكَامِ مَنْ أَسْلَمَ , وَلَمْ يُهَاجِرْ وَأَلْحَقُوا هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولَ عَنْهُمْ وَالْمَسْكُوتَ عَنْ حُكْمِهِمْ بِهِمْ وَسُوِّيَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ , وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي مُوَالَاةِ الْأَعْدَاءِ وَمُسَاكَنَتِهِمْ وَمُدَاخَلَتِهِمْ وَمُلَابَسَتِهِمْ وَعَدَمِ مُبَايَنَتِهِمْ وَتَرْكِ الْهِجْرَةِ الْوَاجِبَةِ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا فِي الصُّورَةِ الْمَسْئُولِ عَنْ فَرْضِهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَلْحَقُوا رضي الله عنهم الْأَحْكَامَ الْمَسْكُوتَ عَنْهَا فِي هَؤُلَاءِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمْ بِالْأَحْكَامِ الْمُتَفَقَّهِ فِيهَا فِي أُولَئِكَ فَصَارَ اجْتِهَادُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مُجَرَّدِ إلْحَاقٍ لِمَسْكُوتٍ عَلَيْهِ بِمَنْطُوقٍ بِهِ مُسَاوٍ لَهُ فِي الْمَعْنَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ , وَهُوَ مِنْهُمْ رضي الله عنهم عَدْلٌ مِنْ النَّظَرِ وَاحْتِيَاطٌ فِي الِاجْتِهَادِ وَرُكُونٌ إلَى الْوُقُوفِ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى الْمُقْتَدَى بِهِمْ فَكَانَ غَايَةً فِي الْحُسْنِ وَالدِّينِ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ عَلَى تَحْرِيمِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ مِنْ السُّنَّةِ فَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {بَعَثَ سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمَ نَاسٌ بِالسُّجُودِ فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَهُمْ نِصْفَ الْعَقْلِ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , وَلِمَ؟ قَالَ: لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا} وَفِي الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {لَا تُسَاكِنُوا الْمُشْرِكِينَ وَلَا تُجَامِعُوهُمْ فَمَنْ سَاكَنَهُمْ أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ} . وَالتَّنْصِيصُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْمَقْصُودِ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ نَظَرٌ سَلِيمٌ وَتَرْجِيحٌ مُسْتَقِيمٌ , وَقَدْ ثَبَتَا فِي الْحِسَانِ مِنْ الْمُصَنَّفَاتِ السِّتَّةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا رَحَى الْإِسْلَامِ قَالُوا: وَلَا مُعَارِضَ لَهُمَا لَا نَاسِخَ وَلَا مُخَصِّصَ وَلَا غَيْرَهُمَا وَمُقْتَضَاهُمَا لَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِيهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِمَا هَذَا مَعَ اعْتِضَادِهِمَا بِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَشَهَادَتِهِمَا لَهُمَا. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا} وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ {لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ , وَإِنْ اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا} قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ كَانَتْ الْهِجْرَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مَنْدُوبًا إلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} نَزَلَتْ حِينَ اشْتِدَادِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ وَجَبَتْ الْهِجْرَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إلَى الْمَدِينَةِ وَأُمِرُوا بِالِانْتِقَالِ إلَى حَضْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم لِيَكُونُوا مَعَهُ فَيَتَعَاوَنُوا وَيَتَظَاهَرُوا ; لِأَنَّ حِزْبَهُمْ أُمِرَ وَلْيَعْلَمُوا أَمْرَ دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّهُوا فِيهِ وَكَانَ عِظَمُ الْخَوْفِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةَ وَأُتْحِفَتْ بِالطَّاعَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى ارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ وَعَادَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَهُمَا هِجْرَتَانِ فَالْمُنْقَطِعَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْفَرْضُ وَالْبَاقِيَةُ هِيَ النَّدْبُ , فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا إسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ وَإِسْنَادُ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ ا هـ. قُلْت: هَاتَانِ الْهِجْرَتَانِ اللَّتَانِ تَضَمَّنَهُمَا حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُمَا الْهِجْرَتَانِ اللَّتَانِ انْقَطَعَ فَرْضُهُمَا بِفَتْحِ مَكَّةَ فَالْهِجْرَةُ الْأُولَى هِجْرَةٌ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى الدِّينِ وَالنَّفْسِ كَهِجْرَةِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وَأَصْحَابِهِ الْمَكِّيِّينَ , فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرِيضَةً لَا يُجْزَى إيمَانٌ دُونَهَا. وَالثَّانِيَةُ الْهِجْرَةُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي دَارِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت