صَحِيحًا مِثْلُ إقَامَتِهِ بِبَلَدِ الْحَرْبِ لِرَجَاءِ فَدَايَةِ الْحَرْبِ وَنَقْلِهِمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَكَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَجْوِيزِ الدُّخُولِ لِفِكَاكِ الْأَسِيرِ , وَأَمَّا لَوْ أَقَامَ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ التَّاوِيلِ اخْتِيَارًا , فَهَذَا قَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ , وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَذْهَبِ فِي رَدِّ شَهَادَةِ الدَّاخِلِ اخْتِيَارَ التِّجَارَةِ فَمَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ مِنْهُمْ وَشَكَّ فِي إقَامَتِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَالْأَصْلُ عُذْرُهُ ; لِأَنَّ جُلَّ الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ تَشْهَدُ لِعُذْرِهِ فَلَا تُرَدُّ لِاحْتِمَالٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ تُوجَدَ قَرَائِنُ تَشْهَدُ أَنَّ إقَامَتَهُ كَانَتْ اخْتِيَارًا لَا لِوَجْهٍ , وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي , وَهُوَ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِلْقُضَاةِ وَالْأُمَنَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِحَجْزِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ , فَقَدْ ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَقْلًا , وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا تَوْلِيَةَ الْكَافِرِ لِهَذَا الْقَاضِي. وَإِمَّا بِطَلَبِ الرَّعِيَّةِ لَهُ , أَوْ إقَامَتِهِ لَهُمْ لِلضَّرُورَةِ لِذَلِكَ فَلَا يُطْرَحُ حُكْمُهُ وَيُنَفَّذُ كَمَا لَوْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ مُسْلِمٌ وَفِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَالِفِ لِيَقْضِينَك حَقَّك إلَى أَجَلٍ أَقَامَ شُيُوخُ الْمَكَانِ مَقَامَ السُّلْطَانِ عِنْدَ فَقْدِهِ لِمَا يَخَافُ مِنْ فَوَاتِ الْقَضِيَّةِ وَعَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ وَغَلَبَ عَلَى بَلَدٍ فَوَلَّى قَاضِيًا عَدْلًا فَأَحْكَامُهُ نَافِذَةٌ ا هـ. قُلْت: وَأَفْتَى شُيُوخُ الْأَنْدَلُسِ فِيمَنْ فِي وِلَايَةِ الْعَاصِي الْمَارِقِ عُمَرَ بْنِ حَفْصُونٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا قَبُولُ خِطَابٍ وَاخْتُلِفَ فِي وِلَايَةِ وَقَبُولِ الْقَضَاءِ مِنْ الْأَمِيرِ غَيْرِ الْعَدْلِ فَفِي رِيَاضِ النُّفُوسِ فِي طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ إفْرِيقِيَّةَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ الْمَالِكِيِّ قَالَ سَحْنُونٌ اخْتَلَفَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَرُّوخَ وَابْنُ غَانِمٍ قَاضِي إفْرِيقِيَّةَ وَهُمَا مِنْ رُوَاةِ مَالِكٍ رضي الله تعالى عنه فَقَالَ ابْنُ فَرُّوخَ لَا يَنْبَغِي لِقَاضٍ إذَا وَلَّاهُ أَمِيرٌ غَيْرُ عَدْلٍ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ وَقَالَ ابْنُ غَانِمٍ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ , وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ فَكَتَبَ بِهَا إلَى مَالِكٍ فَقَالَ مَالِكٌ أَصَابَ الْفَارِسِيُّ يَعْنِي ابْنَ فَرُّوخَ وَأَخْطَأَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ يَعْنِي ابْنَ غَانِمٍ ا هـ. وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَمْ يَجْعَلُوا قَبُولَ الْوِلَايَةِ لِلْمُتَغَلِّبِ الْمُخَالِفِ لِلْإِمَامِ جُرْحَةٌ لِخَوْفِ تَعْطِيلِ أَحْكَامٍ ا هـ. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِنْ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ , وَأَمَّا الْأُخْرَوِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَنْ أَفْنَى شَيْبَهُ وَشَبَابَهُ فِي مُسَاكَنَتِهِمْ وَتُوَلِّيهِمْ , وَلَمْ يُهَاجِرْ , أَوْ هَاجَرَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى وَطَنِ الْكُفْرِ وَأَصَرَّ عَلَى ارْتِكَابِ هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُمْ مُعَاقَبُونَ بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ , وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخَلَّدِينَ فِي الْعَذَابِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْحَقُّ فِي انْقِطَاعِ عَذَابِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَتَخْلِيصِهِمْ بِشَفَاعَةِ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارِ حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ صِحَاحُ الْأَخْبَارِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} وقوله تعالى {, وَإِنَّ رَبَّك لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} إلَّا أَنَّ قوله تعالى {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ} . وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {فَمَنْ سَاكَنَهُمْ , أَوْ جَامَعَهُمْ فَهُوَ مِنْهُمْ شَدِيدٌ جِدًّا عَلَيْهِمْ} وَمَا ذَكَرْتُمْ عَنْ سَخِيفِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ مِنْ قَوْلِهِ إلَى هَاهُنَا يُهَاجِرُ فِي قَالِبِ الِازْدِرَاءِ وَالتَّهَكُّمِ , وَقَوْلُ السَّفِيهِ الْآخَرِ إنْ جَازَ صَاحِبُ فشتالة إلَى هَذِهِ النَّوَاحِي فَسِرْ إلَيْهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ الْبَشِيعِ وَلَفْظِهِ الشَّنِيعِ لَا يَخْفَى عَلَى سِيَادَتِكُمْ مَا فِي كَلَامِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ السَّمَاجَةِ وَالتَّعْيِيرِ وَالْهُجْنَةِ وَسُوءِ النَّكِيرِ إذْ لَا يَتَفَوَّهُ بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَبِيحُهُ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَفَقَدَ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى