فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 1045

قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ كِتَابَةٍ وَعِمَالَةٍ وَجِبَايَةِ خَرَاجٍ وَقِسْمَةِ فَيْءٍ وَغَنِيمَةٍ وَحِفْظِ ذَلِكَ وَنَقْلِهِ إلَّا ضَرُورَةً قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَلَا يَكُونُ بَوَّابًا وَلَا جَلَّادًا وَنَحْوَهُمَا. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ أَتَّخِذ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه. وَعَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْفَعُوهُمْ إذْ وَضَعَهُمْ اللَّهُ , وَلَا تُعِزُّوهُمْ إذْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ , وَلِأَنَّ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَفْسَدَةِ مَا لَا يَخْفَى وَهِيَ مَا يَلْزَمُ عَادَةً أَوْ مَا يُفْضِي إلَيْهِ مِنْ تَصْدِيرِهِمْ فِي الْمَجَالِسِ , وَالْقِيَامِ لَهُمْ وَجُلُوسِهِمْ فَوْقَ الْمُسْلِمِينَ وَابْتِدَائِهِمْ بِالسَّلَامِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ وَرَدِّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَأَكْلِهِمْ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ مَا أَمْكَنَهُمْ لِخِيَانَتِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ حِلِّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَلِأَنَّهُ إذَا مُنِعَ مِنْ الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الْجِهَادِ مَعَ حُسْنِ رَايِهِمْ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْأَمْنِ مِنْهُمْ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا سِيَّمَا مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِمْ عَلَى قَوْلٍ فَهَذَا فِي مَعْنَاهُ وَأَوْلَى لِلُزُومِهِ وَإِفْضَائِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ بِخِلَافِ هَذَا , وَبِهَذَا يَظْهَرُ التَّحْرِيمُ هُنَا وَإِنْ لَمْ تَحْرُمْ الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ عَلَى الْقِتَالِ , وَقَدْ نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا الْكُفَّارَ بِطَانَةً لَهُمْ فَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} . وَبِطَانَةُ الرَّجُلِ تَشْبِيهُهُ بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِي بَطْنَهُ ; لِأَنَّهُمْ يَسْتَنْبِطُونَ أَمْرَهُ وَيَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ , وَقَوْلُهُ {مِنْ دُونِكُمْ} أَيْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {لَا يَالُونَكُمْ خَبَالًا} أَيْ لَا يُبْقُونَ غَايَةً فِي إلْقَائِكُمْ فِيمَا يَضُرُّكُمْ وَالْخَبَالُ الشَّرُّ وَالْفَسَادُ {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ} أَيْ يَوَدُّونَ مَا يَشُقُّ عَلَيْكُمْ مِنْ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَالْهَلَاكِ , وَالْعَنَتِ الْمَشَقَّةِ يُقَالُ فُلَانٌ يُعْنِتُ فُلَانًا أَيْ يَقْصِدُ إدْخَالَ الْمَشَقَّةِ وَالْأَذَى عَلَيْهِ. {قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} قِيلَ بِالشَّتْمِ وَالْوَقِيعَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ وَمُخَالِفَةِ دِينِكُمْ , وَقِيلَ بِاطِّلَاعِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَسْرَارِ الْمُؤْمِنِينَ {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} أَيْ أَعْظَمُ {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَاتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ [الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ] فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعِمَالَاتِ وَالْكَتَبَةِ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رضي الله عنه لَا يَسْتَعِينُ الْإِمَامُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ , وَقَدْ جَعَلَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ رحمه الله هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي عَامِلِ الزَّكَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَحَلُّ وِفَاقٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رحمه الله فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سَأَلَهُ يُسْتَعْمَلُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ الْخَرَاجِ؟ فَقَالَ لَا يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ. فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْعُمُومِ مِنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ نَظَرًا مِنْهُ إلَى رَدِيءِ الْمَفَاسِدِ الْحَاصِلَةِ بِذَلِكَ وَإِعْدَامِهَا وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً مِنْ وِلَايَتِهِمْ وَلَا رَيْبَ فِي لُزُومِهَا فَلَا رَيْبَ فِي إفْضَائِهَا إلَى ذَلِكَ , وَمِنْ مَذْهَبِهِ اعْتِبَارُ الْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ , وَتَحْصِيلًا لِلْمَامُورِ بِهِ شَرْعًا مِنْ إذْلَالِهِمْ وَإِهَانَتِهِمْ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ وَإِذَا أَمَرَ الشَّارِعُ عليه الصلاة والسلام بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكَةِ فَمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى هَذَا مِمَّا لَا إشْكَالَ فِيهِ , وَلِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَاتٌ بِلَا شَكٍّ , وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَفْوِيضُهَا مَعَ الْفِسْقِ وَالْخِيَانَةِ , وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا بِدَلِيلِ سَائِرِ الْوِلَايَاتِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ ; وَلِأَنَّهَا إذَا لَمْ يَصِحَّ تَفْوِيضُهَا إلَى فَاسِقٍ فَإِلَى كَافِرٍ أَوْلَى بِلَا نِزَاعٍ. وَلِهَذَا قَدْ نَقُولُ يَصِحُّ تَفْوِيضُهَا إلَى فَاسِقٍ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ مَعَ ضَمِّ أَمِينٍ إلَيْهِ يُشَارِفُهُ كَمَا نَقُولُ فِي الْوَصِيَّةِ ; وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَصِحَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت