فهرس الكتاب

الصفحة 587 من 1045

يَقُلْ: إنَّهُ لِجَفَائِهِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يَكُونُ كَافِرًا بِجَفَائِهِ , بَلْ كَانَ كَافِرًا , وَهُوَ كَافِرٌ , وَلَا يَحِلُّ دَمُهُ بِكُفْرِهِ , إذَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ , لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الْكُفْرِ. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الزُّرَقِيِّ الْيَهُودِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم , وَفِي سَمِّ الْيَهُودِيَّةِ لِطَعَامِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَلَا فَرْقَ , إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرُ لِمَنْ فَعَلَهُ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَالذِّمِّيُّونَ كُفَّارٌ قَبْلَ ذَلِكَ , وَمَعَهُ , وَلَيْسَ بِنَفْسِ كُفْرِهِمْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ إذَا تَذَمَّمُوا , فَالْمُسْلِمُ يُقْتَلُ بِكُفْرِهِ إذَا أَحْدَثَ كُفْرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ , وَالذِّمِّيُّ لَا يُقْتَلُ , وَإِنْ أَحْدَثَ فِي كُلِّ حِينٍ كُفْرًا حَادِثًا غَيْرَ كُفْرِهِ بِالْأَمْسِ , إذَا كَانَ مِنْ نَوْعِ الْكُفْرِ الَّذِي تَذَمَّمَ عَلَيْهِ - فَنَظَرْنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْقَتْلُ عَلَى الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ - فَوَجَدْنَاهُ إنَّمَا هُوَ نَقْضُهُ الذِّمَّةَ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا تَذَمَّمَ , وَحَقَنَ دَمَهُ بِالْجِزْيَةِ عَلَى الصِّغَارِ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ} الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} وَقَالَ تَعَالَى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} . فَكَانَ هَاتَانِ الْآيَتَانِ نَصًّا جَلِيًّا لَا يَحْتَمِلُ تَاوِيلًا فِي بَيَانِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُقَاتَلُونَ وَيُقْتَلُونَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ , وَعَلَى أَنَّهُمْ إذَا عُوهِدُوا وَتَمَّ عَهْدُهُمْ , وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ , وَنَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ , وَعَادَ حُكْمُ قِتَالِهِمْ كَمَا كَانَ. وَبِضَرُورَةِ الْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ نَدْرِي أَنَّهُمْ إنْ أَعْلَنُوا سَبَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سَبَّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ شَيْءٍ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ , أَوْ مُسْلِمٍ مِنْ عَرَضِ النَّاسِ , فَقَدْ فَارَقُوا الصَّغَارَ , بَلْ قَدْ أَصْغَرُونَا , وَأَذَلُّونَا , وَطَعَنُوا فِي دِينِنَا , فَنَكَثُوا بِذَلِكَ عَهْدَهُمْ , وَنَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ - وَإِذَا نَقَضُوا ذِمَّتَهُمْ فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ , وَسَبْيُهُمْ , وَأَمْوَالُهُمْ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَسَمُّ الْيَهُودِيَّةِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَوْمَ خَيْبَرَ بِلَا شَكٍّ وَهُوَ قَبْلَ نُزُولِ"بَرَاءَةٌ"بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ. وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي قَوْلِ أُولَئِكَ الْيَهُودِ: السَّامُ عَلَيْك لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَفِي سِحْرِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ إيَّاهُ وَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِأَنْ لَا يُثَبِّتَ عَهْدَ الذِّمِّيِّ إلَّا عَلَى الصِّغَارِ , وَأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إذْ كَانَتْ الْمُهَادَنَةُ جَائِزَةً لَهُمْ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ"السَّامِ , وَالسِّحْرِ"هُوَ مَعْنَى حَدِيثِ سَمِّ الشَّاةِ سَوَاءً سَوَاءً , وَحَدِيثُ سَمِّ الشَّاةِ مَنْسُوخٌ بِلَا شَكٍّ بِمَا فِي"سُورَةِ بَرَاءَةَ"مِنْ أَنْ لَا يُقَرُّوا إلَّا عَلَى الصِّغَارِ فَحَدِيثُ"السَّامِ , وَالسِّحْرِ"بِلَا شَكٍّ مَنْسُوخَانِ , بَلْ الْيَقِينُ قَدْ صَحَّ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مَنْسُوخٌ وَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِالْمَنْسُوخِ , وَلَا يَجُوزُ أَلْبَتَّةَ أَنْ يَكُونَا بَعْدَ نُزُولِ"بَرَاءَةٌ"; لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَنْسَخَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا بِيَقِينٍ , ثُمَّ يَنْسَخَ النَّاسِخَ وَيُعِيدَ حُكْمَ الْمَنْسُوخِ وَلَا يَصْحَبَهُ مِنْ الْبَيَانِ مَا يَرْفَعُ الشَّكَّ , وَيَرْفَعُ الظَّنَّ , وَيُبْطِلُ الْإِشْكَالَ - هَذَا أَمْرٌ قَدْ أَمِنَّاهُ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ تَقُولُونَ هَذَا وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ مَنْ سَمَّ الْيَوْمَ طَعَامًا لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ وَإِنَّ مَنْ سَحَرَ مُسْلِمًا فَلَا قَتْلَ عَلَيْهِ , وَإِنَّ الْيَهُودَ يَقُولُونَ لَنَا الْيَوْمَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ , وَلَا قَتْلَ عَلَيْهِمْ فَمَا نَرَاكُمْ تَحْكُمُونَ إلَّا بِمَا ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - أَنَّنَا لَمْ نَقُلْ إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ نُسِخَ مِنْهَا إلَّا مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ خِطَابِهِمْ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم خَاصَّةً , وَحُكْمُ سَمِّ طَعَامِهِ خَاصَّةً , وَحُكْمُ قَصْدِهِ بِالسِّحْرِ خَاصَّةً , فَهَذَا هُوَ الَّذِي نُسِخَ وَحْدَهُ فَقَطْ وَلَا مَزِيدَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ تَعْظِيمُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَتَوْقِيرُهُ , وَأَنْ لَا يُجْعَلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت