بَنِي تَغْلِبَ لَأَقْتُلَنَّ الْمُقَاتِلَةَ , وَلَأَسْبِيَنَّ الذُّرِّيَّةَ وَذَلِكَ أَنِّي كَتَبْت الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا يُنَصِّرُوا أَوْلَادَهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْ عَلِيًّا فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ , فَانْعَقَدَ بِهِ إجْمَاعُهُمْ , وَثَبَتَ بِهِ اتِّفَاقُهُمْ , وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: {الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ , وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ , وَيَعْتَقِدُ عَلَيْهِمْ أَوَّلُهُمْ} وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ جَوَازُ عُقُودِ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ عَلَى الْأُمَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: أَمَرَ اللَّهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَنَا الِاقْتِصَارُ بِهِمْ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهُمْ , وَإِعْفَاؤُهُمْ مِنْ الْجِزْيَةِ. قِيلَ لَهُ: الْجِزْيَةُ لَيْسَ لَهَا مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ فِيمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ لَفْظِهَا , وَإِنَّمَا هِيَ جَزَاءٌ وَعُقُوبَةٌ عَلَى إقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ وَالْجَزَاءُ لَا يَخْتَصُّ بِمِقْدَارٍ دُونَ غَيْرِهِ , وَلَا بِنَوْعٍ مِنْ الْمَالِ دُونَ مَا سِوَاهُ , وَالْمَاخُوذُ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ هُوَ عِنْدَنَا جِزْيَةٌ لَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ , وَتُوضَعُ مَوَاضِعَ الْفَيْءِ ; لِأَنَّهُ لَا صَدَقَةَ لَهُمْ , إذْ كَانَ سَبِيلُ الصَّدَقَةِ وُقُوعَهَا عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَلَا قُرْبَةَ لَهُمْ , وَقَدْ قَالَ بَنُو تَغْلِبَ: نُؤَدِّي الصَّدَقَةَ مُضَاعَفَةً , وَلَا نَقْبَلُ أَدَاءَ الْجِزْيَةِ , فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ عِنْدَنَا جِزْيَةٌ , وَسَمُّوهَا أَنْتُمْ مَا شِئْتُمْ. فَأَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّهَا جِزْيَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا مَاخُوذًا مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَزَرْعِهِمْ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ جِزْيَةً لَمَا أُخِذَتْ مِنْ نِسَائِهِمْ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِنَّ. قِيلَ: لَهُ: يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ النِّسَاءِ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ , كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ {أَمَرَ بَعْضَ أُمَرَائِهِ عَلَى بَعْضِ بُلْدَانِ الْيَمَنِ أَنْ يَاخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مِنْ الْمَعَافِرِ} . وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تُؤْخَذُ مِنْ مَوَالِي بَنِي تَغْلِبَ إذْ كَانُوا كُفَّارًا الْجِزْيَةُ , وَلَا تُضَاعَفُ عَلَيْهِمْ الْحُقُوقُ , وَفِي أَمْوَالِهِمْ ; لِأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا صَالَحَ بَنِي تَغْلِبَ عَلَى ذَلِكَ , وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمَوَالِيَ , فَمَوَالِيهِمْ بَاقُونَ عَلَى حُكْمِ سَائِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي أَخْذِ جِزْيَةِ الرُّءُوسِ مِنْهُمْ عَلَى الطَّبَقَاتِ الْمَعْلُومَةِ , وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يَكُونُوا فِي حُكْمِ مَوَالِيهِمْ كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا نَصْرَانِيًّا لَا يَكُونُ فِي حُكْمِ مَوْلَاهُ فِي بَابِ سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.} قِيلَ: لَهُ: مُرَادُهُ أَنَّهُ مِنْهُمْ فِي الِانْتِسَابِ إلَيْهِمْ , نَحْوُ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ يُسَمَّى هَاشِمِيًّا , وَمَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ يُسَمَّى تَمِيمِيًّا , وَفِي النُّصْرَةِ وَالْعَقْلِ كَمَا يَعْقِلُ عَنْهُ ذَوُو الْأَنْسَابِ , فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ} وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُمْ فِي إيجَابِ الْجِزْيَةِ وَسُقُوطِهَا. وَأَمَّا شَرْطُ عُمَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَغْمِسُوا أَوْلَادَهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ لَا يَصْبُغُوا أَوْلَادَهُمْ فِي النَّصْرَانِيَّةِ إذَا أَرَادُوا الْإِسْلَامَ , فَإِنَّمَا شَرَطَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا أَوْلَادَهُمْ الْإِسْلَامَ إذَا أَرَادُوهُ. وَقَدْ حَدَّثَنَا مَكْرَمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَكْرَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَطِيَّةَ الْكُوفِيُّ قَالَ: سَمِعْت أَبَا عُبَيْدٍ يَقُولُ: كُنَّا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ إذْ أَقْبَلَ الرَّشِيدُ , فَقَامَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ , وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ مُعْتَلَّ الْقَلْبِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَامَ وَدَخَلَ , وَدَخَلَ النَّاسُ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ , فَأَمْهَلَ الرَّشِيدُ يَسِيرًا ثُمَّ خَرَجَ الْإِذْنُ , فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَجَزِعَ أَصْحَابُهُ لَهُ , فَأُدْخِلَ فَأُمْهِلَ ثُمَّ خَرَجَ طَيِّبَ النَّفْسِ مَسْرُورًا , قَالَ: قَالَ لِي: مَا لَك لَمْ تَقُمْ مَعَ النَّاسِ؟ قَالَ: كَرِهْت أَنْ أَخْرُجَ عَنْ الطَّبَقَةِ الَّتِي جَعَلْتنِي فِيهَا , إنَّك أَهَّلَتْنِي لِلْعِلْمِ فَكَرِهْت أَنْ أَخْرُجَ إلَى طَبَقَةِ الْخِدْمَةِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ مِنْهُ , وَإِنَّ ابْنَ عَمِّك صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمِيلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا