قَالَ تَعَالَى: [ {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} ] ; فَخَصَّصَ مِنْ الْحَالَةِ الْعَامَّةِ حَالَةً أُخْرَى خَاصَّةً , وَزَادَ إلَى الْغَايَةِ الْأُولَى غَايَةً أُخْرَى , وَهَذَا كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} . وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} . ثُمَّ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ آخَرَ الصَّوْمَ وَالْحَجَّ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَسْخًا , وَإِنَّمَا كَانَ بَيَانًا وَكَمَالًا. وَكَذَلِكَ: {لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ , أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ , أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ} , ثُمَّ بَيَّنَ الْقَتْلَ فِي مَوَاضِعَ لِعَشَرَةِ أَسْبَابٍ سَنُبَيِّنُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قوله تعالى {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} 0
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} : أَمْرٌ بِمُقَاتَلَةِ جَمِيعِ الْكُفَّارِ ; فَإِنَّ كُلَّهُمْ قَدْ أَطْبَقَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ , مِنْ الْكُفْرِ بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ. وَقَدْ قَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهِ. وَقَالَ تَعَالَى: {جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} . وَالْكُفْرُ وَإِنْ كَانَ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مَذْكُورَةً فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بِأَلْفَاظٍ مُتَفَرِّقَةٍ , فَإِنَّ اسْمَ الْكُفْرِ يَجْمَعُهَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُوا} . وَخَصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فَقَالَ: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} . وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ وَالْغَايَةُ الْقُصْوَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} الْآيَةَ: نَصٌّ فِي تَحْقِيقِ الْكُفْرِ , وَذَلِكَ أَنْ نَقُولَ: الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ أَصْلَانِ فِي تَرْتِيبِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِمَا فِي الدِّينِ , وَهُمَا فِي وَضْعِ اللُّغَةِ مَعْلُومَانِ. وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ لُغَةً أَوْ التَّامِينُ. وَالْكُفْرُ هُوَ السِّتْرُ , وَقَدْ يَكُونُ بِالْفِعْلِ حِسًّا , وَقَدْ يَكُونُ بِالْإِنْكَارِ وَالْجَحْدِ مَعْنًى , وَكِلَاهُمَا حَقِيقَةٌ , أَوْ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ , حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْأَمَدِ الْأَقْصَى"وَغَيْرِهِ. وَقَدْ قَالَ شَيْخُ السُّنَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ , وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ لُغَةً , وَقَدْ أَفَدْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُفْرَ الْمَعَانِي جُحُودُهَا وَإِنْكَارُهَا فَالشَّرْعُ لَمْ يُعَلِّقْ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى كُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ كُفْرٍ , وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى بَعْضِهَا , وَهِيَ الْكُفْرُ بِاَللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} الْآيَةَ. فَقَوْلُهُ: {لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} نَصٌّ فِي الْكُفْرِ بِذَاتِهِ يَقِينًا , وَفِي الْكُفْرِ بِالصِّفَاتِ ظَاهِرًا: لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي لَهُ الصِّفَاتُ الْعُلَا وَالْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ; فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ , وَقَوْلُهُ: {وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} نَصٌّ فِي صِفَاتِهِ , فَإِنَّ الْيَوْمَ الْآخِرَ عَرَفْنَاهُ بِقُدْرَتِهِ وَبِكَلَامِهِ ; فَأَمَّا عِلْمُنَا لَهُ بِقُدْرَتِهِ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ دَلِيلٌ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَوْمِ الْآخِرِ. وَأَمَّا عِلْمُنَا لَهُ بِالْكَلَامِ فَبِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ فَاعِلُهُ , فَإِذَا أَنْكَرَ أَحَدٌ الْبَعْثَ فَقَدْ أَنْكَرَ الْقُدْرَةَ وَالْكَلَامَ , وَكَفَرَ قَطْعًا بِغَيْرِ كَلَامٍ , وَقَوْلُهُ: {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} نَصٌّ فِي أَفْعَالِهِ الَّتِي مِنْ أُمَّهَاتِهَا إرْسَالُ الرُّسُلِ ,"