الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا عَطِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ. الثَّانِي: أَنَّهَا جَزَاءٌ عَلَى الْكُفْرِ. الثَّالِثُ: أَنَّ اشْتِقَاقَهَا مِنْ الْإِجْزَاءِ بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ , كَمَا تَقُولُ: جَزَى كَذَا عَنِّي يَجْزِي إذَا قَضَى. الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: فِي تَقْدِيرِهَا: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ , وَأَشْهَبُ , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زَنْجُوَيْهِ , وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ , وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى الْوَرِقِ , وَإِنْ كَانُوا مَجُوسًا. وَكَذَلِكَ رَوَى مَالِكٌ , عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ , وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا , مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ ; مِنْ الْغِنَى وَالْفَقْرِ , وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ , وَالِاقْتِدَاءُ بِعُمَرَ أُسْوَةٌ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لُجَيْمٍ قُلْت لِمُجَاهِدٍ: مَا بَالُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ , وَعَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ دِينَارٌ؟ قَالَ: إنَّمَا جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْيَسَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاذٍ: {خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرِيَّ} , ثُمَّ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عُمَرُ فِي زَمَانِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الثَّرْوَةُ وَالْقِلَّةُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: فِي مَحِلِّ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَضِيَتْ الْأُمَمُ كُلُّهَا بِالْجِزْيَةِ قُبِلَتْ مِنْهُمْ. الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا تُقْبَلُ. الرَّابِعُ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا تُقْبَلُ مِنْ مَجُوسِ الْعَرَبِ , وَتُقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَجْهُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ تَخْصِيصُ اللَّهِ بِالذِّكْرِ أَهْلَ الْكِتَابِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهَا تُقْبَلُ مِنْ الْأُمَمِ كُلِّهَا فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ قَالَ {: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ , اُغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا , وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تُمَثِّلُوا , وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا. وَإِذَا لَقِيت عَدُوَّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ , فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ , وَكُفَّ عَنْهُمْ: اُدْعُهُمْ إلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ , فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ , ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ عَنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ , وَأَخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ , وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ; فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ , إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ , وَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ , وَكُفَّ عَنْهُمْ , فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ} . وَذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحِيحِ {أَنَّ عُمَرَ تَوَقَّفَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمَجُوسِ , حَتَّى أَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ} . وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَرَبِ مَجُوسٌ ; لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ أَسْلَمَ , فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ ; يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ إنْ لَمْ يُسْلِمْ , وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ جِزْيَةٌ. وَالصَّحِيحُ قَبُولُهَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ , وَفِي كُلِّ حَالٍ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَيْهَا وَالْإِجَابَةِ