فهرس الكتاب

الصفحة 624 من 1045

فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ , فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ. فَقَوْلُهُ: {فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ} يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ وَإِقْرَارِهَا. 11 - أَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ الْكُفَّارِ إلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ السَّيْفُ: كَحَدِيثِ: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي بِدَايَةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ بَرَاءَةٍ , وَسُورَةُ بَرَاءَةٍ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ , قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ:"وَإِنَّمَا تُوَجَّهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ , وَقَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ بَرَاءَةٍ , وَيُؤْمَرَ فِيهَا بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ فِي قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} , وَإِنَّمَا نَزَلَ هَذَا فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ , وَفِيهِ أَحَادِيثُ , مِنْهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُثْمَانَ رضي الله عنهما قَالَ:"كَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي آيَةِ الْجِزْيَةِ نَزَلَتْ حِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ: سَمِعْت هُشَيْمًا يَقُولُ: كَانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِهَا فِي الْجُمْلَةِ , وَقَدْ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما وَسَائِرُ الْخُلَفَاءِ دُونَ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَ إجْمَاعًا. الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْجِزْيَةِ: 1 - الْجِزْيَةُ عَلَامَةُ خُضُوعٍ وَانْقِيَادٍ لِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ: 12 - قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} قِيلَ: مَعْنَاهُ عَنْ ذُلٍّ وَعَنْ اعْتِرَافٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ , وَقِيلَ عَنْ يَدٍ: أَيْ عَنْ إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ وَتَرْكَ أَنْفُسِهِمْ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ وَيَدٌ مِنْ الْمَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ. وَقِيلَ: عَنْ يَدٍ أَيْ عَنْ قَهْرٍ وَذُلٍّ وَاسْتِسْلَامٍ كَمَا تَقُولُ: الْيَدُ فِي هَذَا لِفُلَانٍ أَيْ الْأَمْرُ النَّافِذُ لِفُلَانٍ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَزِّيِّ: عَنْ يَدٍ قَالَ: نَقْدًا عَنْ ظَهْرِ يَدٍ لَيْسَ بِنَسِيئَةٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ مَنْ أَطَاعَ لِمَنْ قَهَرَهُ فَأَعْطَاهُ عَنْ غَيْرِ طِيبَةِ نَفْسِهِ , فَقَدْ أَعْطَاهَا عَنْ يَدٍ. .". وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قوله تعالى: {عَنْ يَدٍ} , فَقَالَ النَّيْسَابُورِيُّ: {عَنْ يَدٍ} إنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْمُعْطِي فَالْمُرَادُ: عَنْ يَدٍ مُؤَاتِيَةٍ غَيْرِ مُمْتَنِعَةٍ , يُقَالُ أَعْطَى بِيَدِهِ إذَا انْقَادَ وَأَصْحَبَ , أَوْ الْمُرَادُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ إلَى يَدٍ نَقْدًا غَيْرَ نَسِيئَةٍ وَلَا مَبْعُوثًا عَلَى يَدِ أَحَدٍ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا يَدُ الْآخِذِ فَمَعْنَاهُ حَتَّى يُعْطُوهَا عَنْ يَدٍ قَاهِرَةٍ مُسْتَوْلِيَةٍ أَيْ بِسَبَبِهَا , أَوْ الْمُرَادُ عَنْ إنْعَامٍ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ بَدَلًا عَنْ أَرْوَاحِهِمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْهِمْ. وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ الصَّغَارَ بِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قَالَ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: الصَّغَارُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالُوا بِمَا قَالُوا , لِامْتِنَاعِهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا جَرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فَقَدْ أَصَغَرُوا بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْهُ , فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُونُ دَفْعُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْكَافِرِينَ وَالْخُضُوعُ لِسُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ مُوجِبًا لِلصَّغَارِ. 2 - الْجِزْيَةُ وَسِيلَةٌ لِهِدَايَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ: 13 - قَالَ الْقَرَافِيُّ:"إنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ , وَذَلِكَ هُوَ شَانُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ , بَيَانُهُ: أَنَّ الْكَافِرَ إذَا قُتِلَ انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الْإِيمَانِ , وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الْإِيمَانِ , وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ , وَغَضَبُ الدَّيَّانِ , فَشَرَعَ اللَّهُ الْجِزْيَةَ رَجَاءَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت