فهرس الكتاب

الصفحة 627 من 1045

42 -إذَا أُصِيبَ الْمُطَالَبُ بِالْجِزْيَةِ بِعَاهَةٍ مُزْمِنَةٍ , كَالْمَرَضِ , أَوْ الْعَمَى , أَوْ الْكِبَرِ الْمُقْعِدِ عَنْ الْعَمَلِ وَالْقِتَالِ , فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ: فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَمَذْهَبِ أَحْمَدَ , وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَوْ كَانُوا مُوسِرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} . فَفَحْوَى الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ; لِاسْتِحَالَةِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ بِقِتَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ , إذْ الْقِتَالُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَمَنْ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ مِنْ الْمُحْتَرِفِينَ , وَلِذَلِكَ لَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ: كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالْمَفْلُوجِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ الْفَانِي: سَوَاءٌ أَكَانَ مُوسِرًا أَمْ غَيْرَ مُوسِرٍ ; وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِمَّنْ أُبِيحَ قَتْلُهُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ , وَهَؤُلَاءِ لَا يُقْتَلُونَ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ وَالشُّيُوخِ الْكِبَارِ إذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُصَابِينَ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ أَهْلٌ لِلْقِتَالِ , إذْ إنَّهُمْ يُقْتَلُونَ إذَا كَانُوا ذَوِي رَايٍ فِي الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ , فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ , كَمَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ. وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ , وَوُجُودُ الْمَالِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْمُصَابِينَ أَكْثَرُ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ , فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ إذَا كَانُوا مُوسِرِينَ , وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا مُعْسِرِينَ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي كِتَابِ الصُّلْحِ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رضي الله عنه وَأَهْلِ الْحِيرَةِ:"وَجَعَلْت لَهُمْ أَيُّمَا شَيْخٍ ضَعُفَ عَنْ الْعَمَلِ , أَوْ أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنْ الْآفَاتِ , أَوْ كَانَ غَنِيًّا فَافْتَقَرَ وَصَارَ أَهْلُ دَيْنِهِ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيْهِ طُرِحَتْ جِزْيَتُهُ , وَعِيلَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَعِيَالَهُ مَا أَقَامَ بِدَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ , فَإِنْ خَرَجُوا إلَى غَيْرِ دَارِ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الْإِسْلَامِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ النَّفَقَةُ عَلَى عِيَالِهِمْ. وَمَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَابِينَ بِالْعَاهَاتِ الْمُزْمِنَةِ , وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُوسِرِينَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَهُوَ يَشْمَلُ الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانَ وَالشُّيُوخَ الْكِبَارَ. وَبِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ , كَحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. الَّذِي أَمَرَهُ فِيهِ أَنْ يَاخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا , وَحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ السَّابِقِ: {وَلَا يَضْرِبُوهَا إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى} , وَاسْتَدَلُّوا مِنْ الْمَعْقُولِ بِأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ , وَهَؤُلَاءِ كَغَيْرِهِمْ فِي الِانْتِفَاعِ بِحَقْنِ الدَّمِ , فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ الْجِزْيَةُ بِتِلْكَ الْإِصَابَاتِ , وَأَنَّ الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ سُكْنَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَهَؤُلَاءِ كَغَيْرِهِمْ فِي الِانْتِفَاعِ بِالدَّارِ , فَلَا تَسْقُطُ عَنْهُمْ الْجِزْيَةُ , كَمَا أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ."

مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ:

44 -يُقَاتَلُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى دِينِهِمْ بِالْجِزْيَةِ , وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عُقِدَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ , وَكَانَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْأَمَانُ وَالْعِصْمَةُ لِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا بِحَقِّهَا. وَيُقَاتَلُ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ حَتَّى يُسْلِمُوا ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ , وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت