فهرس الكتاب

الصفحة 643 من 1045

سِيَاسَةٍ تَقَعُ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ , وَلَا تَدْرِيجٍ هَذَا هُوَ التَّعَبُ مَعَ نَفْسِهِ لَا شَكَّ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى طَرِيقِهِ , وَهُمْ لَا يُسَاعِدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ , وَمَنْ تَبِعَهُ فِي التَّعَبِ أَكْثَرُ ; لِأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إلَى مَقَامٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ , وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ , وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السَّبْقِ , وَالْخَيْرِ اقْتَصَرَ خَيْرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ , وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِمْ مَنْ لَاذَ بِهِمْ , وَبِخِدْمَتِهِمْ أَعْنِي فِي الِاقْتِدَاءِ. وَأَمَّا الْبَرَكَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهَا غَالِبًا لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ {هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ} - نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا مِنْ بَرَكَاتِهِمْ بِمَنِّهِ - وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَنَظَرُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى مِنْ جِنْسِهِ يُوجِبُ الرَّاحَةَ لَهُ , وَلِأَتْبَاعِهِ. فَمِثَالُهُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ الْمُتَمَكِّنُ فِي طَرِيقِهِ إذَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يُرِيدُ التَّوْبَةَ , وَالرُّجُوعَ أَخَذَهُ بِاللُّطْفِ , وَالرَّحْمَةِ , وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ , وَسَاسَ بِرَايِهِ السَّدِيدِ , وَتَدْبِيرِهِ الرَّشِيدِ فَيَنْظُرُ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى لِسَانِ الْعِلْمِ مَا يُصْلِحُهُ , وَمَا هُوَ الْعَوْنُ لَهُ عَلَى مَا أَرَادَ , ثُمَّ يُرَقِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى قَدْ يَبْلُغَ فِي أَقَلِّ زَمَانٍ إلَى الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا بِحُسْنِ تَدْبِيرِ هَذَا السَّيِّدِ وَسِيَاسَتِهِ إيَّاهُ. وَصَاحِبُ هَذَا الْحَالِ هُوَ أَعْظَمُ مَنْ تَقَدَّمَ وَأَفْضَلُهُمْ , وَهُوَ الْجَارِي عَلَى السُّنَّةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ , وَجَلَّ لَمْ يُنْزِلْ الْفُرُوضَ أَوَّلًا مَرَّةً وَاحِدَةً , وَلَا أَمَرَ بِالْقِتَالِ أَوَّلًا , وَإِنَّمَا أَمَرَ أَوَّلًا بِالتَّوْحِيدِ لَا غَيْرٍ , وَأَمَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا عليه الصلاة والسلام بِسِيَاسَةِ النَّاسِ , وَاللُّطْفِ بِهِمْ فَقَالَ تَعَالَى {: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ} , ثُمَّ لَمَّا أَنْ ظَهَرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ عليه الصلاة والسلام بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ , وَلَمْ يَامُرْهُ بِالْقِتَالِ ثُمَّ لَمَّا أَنْ كَثُرَ الْمُؤْمِنُونَ , وَظَهَرَتْ الْكَلِمَةُ نَزَلَتْ الْفُرُوضُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَمَّا أَنْ تَقَرَّرَ لَهُمْ الدِّينُ , وَتَقَوَّى أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِالْجِهَادِ بِاللِّسَانِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {: اُدْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّك بِالْحِكْمَةِ , وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} . فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّى الْأَمْرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِتَالِ الْأَقْرَبِينَ مِنْ الْكُفَّارِ فَقَالَ تَعَالَى {: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} فَلَمَّا أَنْ تَقَوَّى الْأَمْرُ , وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقِتَالِ مُطْلَقًا فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} , ثُمَّ إنَّ الْفُرُوضَ لَمْ تَتِمَّ إلَّا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ تَعَالَى فِيهَا {: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ , وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَالِمُ بِعِبَادِهِ , وَبِمَا يُصْلِحُهُمْ فَلَوْ كَانَ أَمْرُهُمْ , وَمُخَاطَبَتُهُمْ أَوَّلًا بِالْقِتَالِ , وَبِجُمْلَةِ الْفُرُوضِ فِيهِ مَصْلَحَةٌ , وَمَنْفَعَةٌ لَهُمْ لَأَمَرَ بِذَلِكَ أَوَّلًا {: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} , وَصَاحِبُ الْحَالِ الَّذِي أَشَارَ الشَّيْخُ رحمه الله إلَيْهِ أَخِيرًا مَضَى عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ فَانْتَفَعَ بِنَفْسِهِ , وَاسْتَرَاحَ , وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِهِ , وَوَجَدُوا الرَّاحَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ , وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ , وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ , وَقَدْ قَالَ عليه الصلاة والسلام {: خَاطِبُوا النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ} فَلَيْسَ مَنْ دَخَلَ فِي التَّعَبُّدِ , وَتَمَرَّنَ فِيهِ , وَكَثُرَتْ الْمُجَاهَدَةُ لَدَيْهِ كَمَنْ ابْتَدَأَ الدُّخُولَ , وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَعْنَى قَالَ عليه الصلاة والسلام فِي السَّوْدَاءِ حِينَ سَأَلَهَا: أَيْنَ اللَّهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. فَقَالَ لِصَاحِبِهَا: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ فَقَنَعَ عليه الصلاة والسلام مِنْهَا بِالْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ مَوْجُودٌ , وَذَلِكَ يَنْفِي مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّ الْأَصْنَامَ هِيَ الْآلِهَةُ فِي الْأَرْضِ فَإِلَهُ السَّمَاءِ , وَإِلَهُ الْأَرْضِ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْمَوْجُودُ لَا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَلَّ فِي السَّمَاءِ تَعَالَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا إذْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت