صلى الله عليه وسلم , فَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ أَنَّهُ أُمِرَ فِيهَا بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ وَالْكَفِّ عَمَّنْ لَا يُقَاتِلُ , فَإِنَّ قَوْلَهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ} نَاسِخٌ لِمَنْ يَلِي , وَحُكْمُ الْآيَةِ كَانَ بَاقِيًا فِيمَنْ لَا يَلِيَنَا مِنْهُمْ , ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فَكَانَ ذَلِكَ أَعَمَّ مِنْ الْأَوَّلِ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ يَلِيَنَا دُونَ مَنْ لَا يَلِيَنَا , إلَّا أَنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنْ التَّخْصِيصِ بِحَظْرِهِ الْقِتَالَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَّا عَلَى شَرْطِ أَنْ يُقَاتِلُونَا فِيهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ فَرْضَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً بِقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} وَقَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} وقوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ , لَا يُقَاتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا مَنْ قَاتَلَ , وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: {إنَّ مَكَّةَ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَإِنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا , فَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ بَاقٍ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ نَبْتَدِئَ فِيهَا بِالْقِتَالِ لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ , وَقَدْ كَانَ الْقِتَالُ مَحْظُورًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ بِقَوْلِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ} , ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} , وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَالْحَظْرُ بَاقٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} فَإِنَّهُ أَمْرٌ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ إذَا أُظْفِرْنَا بِهِمْ , وَهِيَ عَامَّةٌ فِي قِتَالِ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ قَاتَلَنَا مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلُنَا بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ مَحْظُورٌ , وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ قَتْلِ أَهْلِ الصَّوَامِعِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} الْأَمْرَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَنَا مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ دُونَ مَنْ كَفَّ عَنَّا مِنْهُمْ , وَكَانَ قَوْلُهُ: {وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} نَهْيًا عَنْ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنَا , فَهِيَ لَا مَحَالَةَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} لِإِيجَابِهِ قَتْلَ مَنْ حُظِرَ قَتْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} إذْ كَانَ الِاعْتِدَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ قِتَالَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ , وَقَوْلُهُ: {وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: مِنْ مَكَّةَ إنْ أَمْكَنَكُمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا آذَوْا الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إلَى الْخُرُوجِ فَكَانُوا مُخْرِجِينَ لَهُمْ , وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} , فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ فَرْضِهِ الْقِتَالَ بِإِخْرَاجِهِمْ إذَا تَمَكَّنُوا مِنْ ذَلِكَ ; إذْ كَانُوا مَنْهِيِّينَ عَنْ الْقِتَالِ فِيهَا إلَّا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ , فَيَكُونُ قَوْلُهُ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} عَامًّا فِي سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ إلَّا فِيمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ , فَإِنَّهُمْ أُمِرُوا بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا إلَّا لِمَنْ قَاتَلَهُمْ , فَإِنَّهُ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ حِينَئِذٍ ; وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ: