فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 1045

يُقَاتَلُوا , وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ , وَقَالَ فِيهِ: {وَإِنَّمَا أُحِلَّ لِي الْقِتَالُ بِهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} , وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ {النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ حِينَ قَتَلَ رَجْلٌ مِنْ خُزَاعَةَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٌ , ثُمَّ قَالَ: إنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ , وَرَجُلٌ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ , وَرَجُلٌ قَتَلَ بِذَحْلِ الْجَاهِلِيَّةِ} وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ لِمَنْ لَمْ يَجْنِ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عُمُومُ الذَّمِّ لِلْقَاتِلِ فِي الْحَرَمِ , وَالثَّانِي: قَدْ ذَكَرَ مَعَهُ قَتْلَ مَنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْقَتْلُ , فَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ قَتْلُ مَنْ اسْتَحَقَّ الْقَتْلُ فَلَجَأَ , وَأَنَّ ذَلِكَ إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ الْحَرَمَ يَحْظُرُ قَتْلَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ.

قوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ {أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَنَهَيْتَ عَنْ قِتَالِنَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: نَعَمْ} وَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُغَيِّرُوهُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَيُقَاتِلُوهُ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} يَعْنِي إنْ اسْتَحَلُّوا مِنْكُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ شَيْئًا فَاسْتَحِلُّوا مِنْهُمْ مِثْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: {أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا رَدَّتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَنْ الْبَلَدِ الْحَرَامِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ , فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ مَكَّةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ , فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَصَّهُ بِمَا حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِي يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ.} وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَمْرَيْنِ , فَيَكُونُ إخْبَارًا بِمَا أَقَصَّهُ اللَّهُ مِنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ بِشَهْرٍ مِثْلِهِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ. وَقَدْ تَضَمَّنَ مَعَ ذَلِكَ إبَاحَةُ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إذَا قَاتَلَهُمْ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّ لَفْظًا وَاحِدًا لَا يَكُونُ خَبَرًا وَأَمْرًا , وَمَتَى حَصَلَ عَلَى أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ انْتَفَى الْآخَرُ. إلَّا أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا بِمَا عَوَّضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِنْ فَوَاتِ الْعُمْرَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ شَهْرًا مِثْلَهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ , وَكَانَتْ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الَّذِي أُبْدِلَ كَحُرْمَةِ الشَّهْرِ الَّذِي فَاتَ ; فَلِذَلِكَ قَالَ: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} ثُمَّ عَقَّبَ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فَأَفَادَ أَنَّهُمْ إذَا قَاتَلُوهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَبْتَدِئُوهُمْ بِالْقِتَالِ. وَسَمَّى الْجَزَاءَ اعْتِدَاءً لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْجِنْسِ وَقَدْرُ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الْمُعْتَدِيَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الظَّالِمُ.

وقوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} عُمُومٌ فِي أَنَّ مِنْ اسْتَهْلَكَ لِغَيْرِهِ مَالًا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وَذَلِكَ الْمِثْلُ يَنْقَسِمُ إلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِثْلُهُ فِي جِنْسِهِ وَذَلِكَ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ , وَالْآخَرُ: مِثْلُهُ فِي قِيمَتِهِ ; لِأَنَّ {النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ نِصْفَ قِيمَتِهِ ,} فَجَعَلَ الْمِثْلَ اللَّازِمَ بِالِاعْتِدَاءِ هُوَ الْقِيمَةَ , فَصَارَ أَصْلًا فِي هَذَا الْبَابِ وَفِي أَنَّ الْمِثْلَ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيَكُونُ اسْمًا لَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمِثْلَ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ إذَا كَانَ فِي وِزَانِهِ وَعُرُوضِهِ فِي الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الْجَزَاءِ , أَنَّ مَنْ اعْتَدَى عَلَى غَيْرِهِ بِقَذْفٍ لَمْ يَكُنِ الْمِثْلُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقْذَفَ بِمِثْلِ قَذْفِهِ بَلْ يَكُونُ الْمِثْلُ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ هُوَ جَلْدُ ثَمَانِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت