ومع هذا فإن قوله تعالى:
(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . .
يقرر حكمًا دائمًا للحركة الإسلامية في مواجهة الواقع الجاهلي الدائم. .
ولقد جاء الإسلام - كما سبق في التعريف بالسورة - ليكون إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من العبودية للعباد - ومن العبودية لهواه أيضًا وهي من العبودية للعباد - وذلك بإعلان ألوهية الله وحده - سبحانه - وربوبيته للعالمين. . وأن معنى هذا الإعلان: الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها , والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض , الحكم فيه للبشر في صورة من الصور. . . الخ.
ولا بد لتحقيق هذا الهدف الضخم من أمرين أساسيين:
أولهما: دفع الأذى والفتنة عمن يعتنقون هذا الدين , ويعلنون تحررهم من حاكمية الإنسان , ويرجعون بعبوديتهم لله وحده , ويخرجون من العبودية للعبيد في جميع الصور والأشكال. . وهذا لا يتم إلا بوجود عصبة مؤمنة ذات تجمع حركي تحت قيادة تؤمن بهذا الإعلان العام , وتنفذه في عالم الواقع , وتجاهد كل طاغوت يعتدي بالأذى والفتنة على معتنقي هذا الدين , أو يصد بالقوة وبوسائل الضغط والقهر والتوجيه من يريدون اعتناقه. .
وثانيهما: تحطيم كل قوة في الأرض تقوم على أساس عبودية البشر للبشر - في صورة من الصور - وذلك لضمان الهدف الأول , ولإعلان ألوهية الله وحدها في الأرض كلها , بحيث لا تكون هناك دينونةإلا لله وحده - فالدين هنا بمعنى الدينونة لسلطان الله - وليس هو مجرد الاعتقاد. .
ولا بد هنا من بيان الشبهة التي قد تحيك في الصدور من هذا القول , على حين أن الله سبحانه يقول: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) . .
ومع أن فيما سبق تقريره عن طبيعة الجهاد في الإسلام - وبخاصة فيما اقتطفناه من كتاب:"الجهاد في سبيل الله"للأستاذ أبي الأعلى المودودي , ما يكفي للبيان الواضح. . إلا أننا نزيد الأمر إيضاحًا , وذلك لكثرة ما لبس الملبسون ومكر الماكرون من أعداء هذا الدين!
إن الذي يعنيه هذا النص: (ويكون الدين كله لله) . . هو إزالة الحواجز المادية , المتمثلة في سلطان الطواغيت , وفي الأوضاع القاهرة للأفراد , فلا يكون هناك - حينئذ - سلطان في الأرض لغير الله , ولا يدين العباد يومئذ لسلطان قاهر إلا سلطان الله. . فإذا أزيلت هذه الحواجز المادية ترك الناس أفرادًا يختارون عقيدتهم أحرارًا من كل ضغط. على ألا تتمثل العقيدة المخالفة للإسلام في تجمع له قوة مادية يضغط بها على الآخرين , ويحول بها دون اهتداء من يرغبون في الهدى , ويفتن بها الذين يتحررون فعلا من كل سلطان إلا سلطان الله. . إن الناس أحرار في اختيار عقيدتهم , على أن يعتنقوا هذه العقيدة أفرادًا , فلا يكونون سلطة قاهرة يدين لها العباد. فالعباد لا يدينون إلا لسلطان رب العباد.