فهرس الكتاب

الصفحة 687 من 1045

الْقَتْلَ بِالِامْتِنَاعِ , لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَرَّمَ قِتَالَهُمْ قَبْلَ بَعْثِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام , وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ إيَّاهُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً , قَطْعًا لِمَعْذِرَتِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ , وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ , لَمَّا أَقَامَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ الدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَوْ تَأَمَّلُوهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ وَنَظَرُوا فِيهَا لَعَرَفُوا حَقَّ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ , لَكِنْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين , لِئَلَّا يَبْقَى لَهُمْ شُبْهَةُ عُذْرٍ فَيَقُولُونَ: {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِك} وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَا بَيَّنَّا , وَلِأَنَّ الْقِتَالَ مَا فُرِضَ لِعَيْنِهِ , بَلْ لِلدَّعْوَةِ إلَى الْإِسْلَامِ. وَالدَّعْوَةُ دَعْوَتَانِ: دَعْوَةُ بِالْبَنَانِ وَهِيَ الْقِتَالُ , وَدَعْوَةُ بِالْبَيَانِ وَهِيَ اللِّسَانُ , وَذَلِكَ بِالتَّبْلِيغِ , وَالثَّانِيَةُ أَهْوَنُ مِنْ الْأُولَى , لِأَنَّ فِي الْقِتَالِ مُخَاطَرَةَ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ وَالْمَالِ , وَلَيْسَ فِي دَعْوَةِ التَّبْلِيغِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَإِذَا احْتَمَلَ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِأَهْوَنِ الدَّعْوَتَيْنِ لَزِمَ الِافْتِتَاحُ بِهَا , هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ لَمْ تَبْلُغْهُمْ. فَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَفْتَتِحُوا الْقِتَالَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ , لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُجَّةَ لَازِمَةٌ , وَالْعُذْرُ فِي الْحَقِيقَةِ مُنْقَطِعٌ , وَشُبْهَةُ الْعُذْرِ انْقَطَعَتْ بِالتَّبْلِيغِ مَرَّةً , لَكِنْ مَعَ هَذَا الْأَفْضَلُ أَلَّا يَفْتَتِحُوا الْقِتَالَ إلَّا بَعْدَ تَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ لِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ فِي الْجُمْلَةِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ الْكَفَرَةَ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ. فِيمَا كَانَ دَعَاهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ. دَلَّ أَنَّ الِافْتِتَاحَ بِتَجْدِيدِ الدَّعْوَةِ أَفْضَلُ , ثُمَّ إذَا دَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَسْلَمُوا كَفُّوا عَنْهُمْ الْقِتَالَ , لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ , فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} وَقَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دَمَهُ وَمَالَهُ} فَإِنْ أَبَوْا الْإِجَابَةَ إلَى الْإِسْلَامِ دَعَوْهُمْ إلَى الذِّمَّةِ إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ (لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ) فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْهُمْ , وَإِنْ أَبَوْا اسْتَعَانُوا بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى قِتَالِهِمْ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ إلَى أَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ وُجُوبًا سَوَاءٌ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ أَمْ لَا , مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلًا , قَالُوا: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ عليه الصلاة والسلام. وَلِلْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِقَوْلِهِ: أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسُ لَا يُدْعَوْنَ قَبْلَ الْقِتَالِ , لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ انْتَشَرَتْ وَعَمَّتْ , فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ إلَّا نَادِرًا بَعِيدًا. وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ فَإِنَّ مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ مِنْهُمْ لَا يُدْعَوْنَ , وَإِنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ دُعِيَ قَبْلَ الْقِتَالِ , قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُحَارِبَ حَتَّى أَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَعَلَا الْإِسْلَامُ , وَلَا أَعْرِفُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُدْعَى , قَدْ بَلَغَتْ الدَّعْوَةُ كُلَّ أَحَدٍ , فَالرُّومُ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَعَلِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ , وَإِنْ دَعَا فَلَا بَاسَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت