فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1045

ولا قتل القاتل ولا عقوبة مُعْتَدٍ بوجه من الوجه. ـ إلى أن قال رحمه الله ـ فمن احتج بالقدر على ترك المأمور، وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر).

الوجه الثاني: الخصوصية، وهي أن هذا المنع من القتال لاختلاط المؤمنين بالكفار في مكة كان خاصا بقصة الحديبية دون غيرها. ولا يستدل به على ما شابَهَهَا. وهذا القول بالخصوصية إن شاء الله تعالى هو الصواب، والله تعالى أعلم، ودليل ذلك:

أن الله سبحانه منع رسوله صلى الله عليه وسلم من غزو مكة يوم الحديبية (سنة 6هـ) منعا قدريا، ثم أَذِنَ له في غزوها بعد ذلك بسنتين يوم فتح مكة (سنة8 هـ) إذنا شرعيا، والبلد هو البلد (مكة) ، والمستضعفون لم يزل بعضهم بمكة كابن عباس رضي الله عنهما وغيره. وروى البخاري عن أبي هريرة قال: (لما فَتَحَ الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة، قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حَبَسَ عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، فإنها لا تحل لأحد كان قبلي، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد من بعدي) . وبهذا تعلم أن المنع يوم الحديبية كان خاصا لأن نفس البلد أحل بعد ذلك، والبلد هو البلد، والمستضعفون لم يزل بعضهم بها.

ومما يدل على الخصوصية أيضا أن هناك مواقف خالط فيها المؤمنون الكافرين والعصاة، ووقع القتل أو العذاب بالجميع، ولم يَحُل دون ذلك منع قدري من الله تعالى كما حدث يوم الحديبية، فدل هذا على خصوصية النص بقصة الحديبية، ولا مانع من أن يحدث مثله قدرا، أما شرعا فليس بحجة، ومن المواقف التي حدثت فيها المخالطة ولم يمنع القتل أو العذاب قدرا ما يلي:

ما رواه أبو داود والترمذي عن جرير بن عبد الله قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى خَثْعَم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأسرع فيهم القتل، قال: فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر لهم بنصف العقل وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما) .

ومنها حديث البيداء المذكور في كلام ابن تيمية السابق، فهذا الجيش أهلكه الله تعالى مع أن فيهم المُكْرَه و من ليس منهم. ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أنزَلَ الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم.

ومنها ما رواه البخاري عن أم المؤمنين زينب بنت جحش قال: (أنهلك وفينا الصالحون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا كثر الخبث.

ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة مرفوعا (إن الله إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون، قُبِضُوا معهم ثم بُعِثُوا على نياتهم وأعمالهم) . وهذه الأحاديث كلها في معنى حديث البيداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت