فهرس الكتاب

الصفحة 756 من 1045

بِمُسَاعَدَتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَالْبَشَرُ قَدْ رُكِّبَ فِيهِمْ أَهْوَاءٌ مُتَبَايِنَةٌ , وَطِبَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ , وَيَشُقُّ عَلَى النُّفُوسِ تَرْكُ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ , فَلَيْسَ إلَى صَفْوِ وِدَادِهِمْ سَبِيلٌ إلَّا بِمُعَاشَرَتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِرَايِك وَهَوَاك. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَارَاةِ وَالتَّقِيَّةِ: أَنَّ التَّقِيَّةَ غَالِبًا لِدَفْعِ الضَّرَرِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ , وَأَمَّا الْمُدَارَاةُ فَهِيَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَجَلْبِ النَّفْعِ ب - الْمُدَاهَنَةُ: 3 - قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: مَتَى مَا تَخَلَّقَ الْمَرْءُ بِخُلُقٍ يَشُوبُهُ بَعْضُ مَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ فَتِلْكَ هِيَ الْمُدَاهَنَةُ. وقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} فَسَّرَهُ الْفَرَّاءُ , كَمَا فِي اللِّسَانِ بِقَوْلِهِ: وَدُّوا لَوْ تَلِينَ فِي دِينِك فَيَلِينُونَ. وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَيْ: وَدُّوا لَوْ تُصَانِعُهُمْ فِي الدِّينِ فَيُصَانِعُوك. وَهَذَا لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ حِبَّانَ , فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَامُورًا بِالصَّدْعِ بِالدَّعْوَةِ وَعَدَمِ الْمُصَانَعَةِ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ وَعَيْبِ الْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى , فَكَانَ تَلْيِينُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَيْدَانِ مُدَاهَنَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ فِيهَا تَرْكَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجَهْرِ بِالدَّعْوَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَاهَنَةِ وَالتَّقِيَّةِ: أَنَّ التَّقِيَّةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِدَفْعِ الضَّرَرِ , أَمَّا الْمُدَاهَنَةُ فَلَا تَحِلُّ أَصْلًا , لِأَنَّهَا اللِّينُ فِي الدِّينِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ شَرْعًا. ج - النِّفَاقُ: 4 - النِّفَاقُ هُوَ أَنْ يُظْهِرَ الْإِيمَانَ وَيَسْتُرَ الْكُفْرَ , وَقَدْ يُطْلَقُ النِّفَاقُ عَلَى الرِّيَاءِ , قَالَ صَاحِبُ اللِّسَانِ: لِأَنَّ كِلَيْهِمَا إظْهَارُ غَيْرِ مَا فِي الْبَاطِنِ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَسَاسُ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ هُوَ الْكَذِبُ , وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ , كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ. وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّقِيَّةِ وَبَيْنَ النِّفَاقِ , أَنَّ الْمُنَافِقَ كَافِرٌ فِي قَلْبِهِ لَكِنَّهُ يُظْهِرُ بِلِسَانِهِ وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ وَيَعْمَلُ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَامَنَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ وَلِيُحَصِّلَ الْمِيزَاتِ الَّتِي يُحَصِّلُهَا الْمُؤْمِنُ. فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلتَّقِيَّةِ , لِأَنَّهَا إظْهَارُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ مَا يَامَنُ بِهِ مِنْ أَمَارَاتِ الْكُفْرِ أَوْ الْمَعْصِيَةِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ فِي قَلْبِهِ , وَاطْمِئْنَانِهِ بِالْإِيمَانِ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْعَمَلِ بِالتَّقِيَّةِ:

5 -يَذْهَبُ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّقِيَّةِ هُوَ الْحَظْرُ , وَجَوَازُهَا ضَرُورَةٌ , فَتُبَاحُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالتَّقِيَّةُ لَا تَحِلُّ إلَّا مَعَ خَوْفِ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ أَوْ الْإِيذَاءِ الْعَظِيمِ , وَلَمْ يُنْقَلْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فِيمَا نَعْلَمُ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَمُجَاهِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ , وَإِنَّمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {لَا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِهَا: نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُلَاطِفُوا الْكُفَّارَ , أَوْ يَتَّخِذُوهُمْ وَلِيجَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ , إلَّا أَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ عَلَيْهِمْ ظَاهِرِينَ , فَيُظْهِرُونَ لَهُمْ اللُّطْفَ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي الدِّينِ.

6 -وَمِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّقِيَّةِ لِلضَّرُورَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ أَخَذُوا عَمَّارًا فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت