11 - (الْحُكْمُ الْأَوَّلُ) : أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَكُونُ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ , وَيَخَافُ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ فَيُدَارِيهِمْ بِاللِّسَانِ , وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُظْهِرَ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ , بَلْ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُظْهِرَ الْكَلَامَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ , وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلَافَهُ , وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُلِّ مَا يَقُولُ , فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَاثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لَا فِي أَحْوَالِ الْقُلُوبِ. 12 - (الْحُكْمُ الثَّانِي لِلتَّقِيَّةِ) : أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِيمَانِ وَالْحَقِّ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ التَّقِيَّةُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ , وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِصَّةِ مُسَيْلِمَةَ.
13 - (الْحُكْمُ الثَّالِثُ لِلتَّقِيَّةِ) : أَنَّهَا إنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ , وَقَدْ تَجُوزُ أَيْضًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الدِّينِ فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ ضَرَرُهُ إلَى الْغَيْرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَى وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَاطِّلَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ , فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ أَلْبَتَّةَ.
14 - (الْحُكْمُ الرَّابِعُ) : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ إنَّمَا تَحِلُّ مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا شَاكَلَتْ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ حَلَّتْ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَلَى النَّفْسِ.
15 - (الْحُكْمُ الْخَامِسُ) : التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ , وَهَلْ هِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ الْمَالِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِالْجَوَازِ , لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ} وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَالِ شَدِيدَةٌ وَالْمَاءُ إذَا بِيعَ بِالْغَبْنِ سَقَطَ فَرْضُ الْوُضُوءِ , وَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِ , فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا.
16 - (الْحُكْمُ السَّادِسُ) : قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا الْحُكْمُ كَانَ ثَابِتًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ ضَعْفِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَمَّا بَعْدَ قُوَّةِ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ فَلَا , وَرَوَى عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ: أَنَّهُ قَالَ التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , وَهَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى , لِأَنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ النَّفْسِ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
شُرُوطُ جَوَازِ التَّقِيَّةِ:
17 -أ - يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ خَوْفٌ مِنْ مَكْرُوهٍ , عَلَى مَا يُذْكَرُ تَفْصِيلُهُ بَعْدُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَوْفٌ وَلَا خَطَرٌ لَمْ يَجُزْ ارْتِكَابُ الْمُحَرَّمِ تَقِيَّةً , وَذَلِكَ كَمَنْ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ تَوَدُّدًا إلَى الْفُسَّاقِ أَوْ حَيَاءً مِنْهُمْ. وَإِنْ قَالَ خِلَافَ الْحَقِيقَةِ كَانَ كَاذِبًا آثِمًا , وَكَذَا مَنْ أَثْنَى عَلَى الظَّالِمِينَ أَوْ أَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَصِدْقِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وَحُسْنِ طَرِيقَتِهِمْ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ مِنْهُمْ دُونَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ خَطَرٌ مِنْهُمْ لَوْ سَكَتَ , فَإِنَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا آثِمًا مُشَارِكًا لَهُمْ فِي ظُلْمِهِمْ وَفِسْقِهِمْ. وَإِنْ كَانَ فِيمَا صَدَّقَهُمْ بِهِ عُدْوَانٌ عَلَى مُسْلِمٍ فَذَلِكَ أَعْظَمُ , قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ فَهُوَ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} .
18 -ب - قِيلَ: يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ التَّقِيَّةِ أَنْ تَكُونَ مَعَ الْكُفَّارِ الْغَالِبِينَ وَسَبَقَ قَوْلُ الرَّازِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه أَنَّ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إذَا شَاكَلَتْ الْحَالَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكَافِرِينَ حَلَّتْ التَّقِيَّةُ مُحَامَاةً عَنْ النَّفْسِ.