فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 1045

وإذن يكشف لهم عن حكمة اختيار القبلة التي كانوا عليها , بمناسبة تحويلهم الآن عنها:

(وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) . .

ومن هذا النص تتضح خطة التربية الربانية التي يأخذ الله بها هذه الجماعة الناشئة , التي يريد لها أن تكون الوارثة للعقيدة , المستخلفة في الأرض تحت راية العقيدة. إنه يريد لها أن تخلص له ; وأن تتخلص من كل رواسب الجاهلية ووشائجها ; وأن تتجرد من كل سماتها القديمة ومن كل رغابها الدفينة ; وأن تتعرى من كل رداء لبسته في الجاهلية , ومن كل شعار اتخذته , وأن ينفرد في حسها شعار الإسلام وحده لا يتلبس به شعار آخر , وأن يتوحد المصدر الذي تتلقى منه لا يشاركه مصدر آخر.

ولما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به في نفوس العرب فكرة أخرى غير فكرة العقيدة ; وشابت عقيدة جدهم إبراهيم شوائب من الشرك , ومن عصبية الجنس , إذ كان البيت يعتبر في ذلك الحين بيت العرب المقدس. . والله يريده أن يكون بيت الله المقدس , لا يضاف إليه شعار آخر غير شعاره , ولا يتلبس بسمة أخرى غير سمته.

لما كان الاتجاه إلى البيت الحرام قد تلبست به هذه السمة الأخرى , فقد صرف الله المسلمين عنه فترة , ووجههم إلى بيت المقدس , ليخلص مشاعرهم من ذلك التلبس القديم أولا ; ثم ليختبر طاعتهم وتسليمهم للرسول صلى الله عليه وسلم ثانيا , ويفرز الذين يتبعونه لأنه رسول الله , والذين يتبعونه لأنه أبقى على البيت الحرام قبلة , فاستراحت نفوسهم إلى هذا الإبقاء تحت تأثير شعورهم بجنسهم وقومهم ومقدساتهم القديمة.

إنها لفتة دقيقة شديدة الدقة. . إن العقيدة الإسلامية لا تطيق لها في القلب شريكا ; ولا تقبل شعارا غير شعارها المفرد الصريح ; إنها لا تقبل راسبا من رواسب الجاهلية في أية صورة من الصور. جل أم صغر. وهذا هو إيحاء ذلك النص القرآني: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) . . والله - سبحانه - يعلم كل ما يكون قبل أن يكون. ولكنه يريد أن يظهر المكنون من الناس , حتى يحاسبهم عليه , ويأخذهم به. فهو - لرحمته بهم - لا يحاسبهم على ما يعلمه من أمرهم , بل على ما يصدر عنهم ويقع بالفعل منهم.

ولقد علم الله أن الانسلاخ من الرواسب الشعورية , والتجرد من كل سمة وكل شعار له بالنفس علقة. . أمر شاق , ومحاولة عسيرة. . إلا أن يبلغ الإيمان من القلب مبلغ الاستيلاء المطلق , وإلا أن يعين الله هذا القلب في محاولته فيصله به ويهديه إليه:

(وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) . . فإذا كان الهدى فلا مشقة ولا عسر في أن تخلع النفس عنها تلك الشعارات , وأن تنفض عنها تلك الرواسب ; وأن تتجرد لله تسمع منه وتطيع , حيثما وجهها الله تتجه , وحيثما قادها رسول الله تقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت