بِدِينِهِ. وَإِنْ كَانَ التَّخْوِيفُ بِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ أَوْ بِلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ تَحَمُّلُهَا كَالْحَبْسِ مَعَ الْقُوتِ , وَالضَّرْبِ الْقَلِيلِ غَيْرِ الْمُهْلِكِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَافَقَتُهُمْ.
21 -هـ - وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَى الْمَخُوفُ وُقُوعُهُ مِمَّا يَشُقُّ احْتِمَالُهُ. وَالْأَذَى إمَّا أَنْ يَكُونَ بِضَرَرٍ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ. أَوْ فِي الْغَيْرِ , أَوْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَةٍ. فَالْأَوَّلُ كَخَوْفِ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ أَوْ الْحَرْقِ الْمُؤْلِمِ أَوْ الضَّرْبِ الشَّدِيدِ أَوْ الْحَبْسِ مَعَ التَّجْوِيعِ وَمَنْعِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: أَوْ خَوْفِ صَفْعٍ وَلَوْ قَلِيلًا لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ. أَمَّا التَّجْوِيعُ الْيَسِيرُ وَالْحَبْسُ الْيَسِيرُ وَالضَّرْبُ الْيَسِيرُ فَلَا تَحِلُّ بِهِ التَّقِيَّةُ وَلَا يُجِيزُ إظْهَارَ مُوَالَاةِ الْكَافِرِينَ أَوْ ارْتِكَابَ الْمُحَرَّمِ. وَرَخَّصَ الْبَعْضُ فِي التَّقِيَّةِ لِأَجْلِهِ. رَوَى شُرَيْحٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: لَيْسَ الرَّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إذَا سُجِنَ أَوْ أُوثِقَ أَوْ عُذِّبَ. وَفِي لَفْظٍ: أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ كُرْهٌ: السِّجْنُ وَالضَّرْبُ وَالْوَعِيدُ وَالْقَيْدُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا كَلَامٌ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ إلَّا كُنْت مُتَكَلِّمًا بِهِ. وَأَمَّا الْعِرْضُ فَكَأَنْ يَخْشَى عَلَى حَرَمِهِ مِنْ الِاعْتِدَاءِ. وَأَمَّا الْخَوْفُ عَلَى الْمَالِ فَقَدْ قَالَ الرَّازِيُّ: فِيمَا سَبَقَ بَيَانُهُ: التَّقِيَّةُ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ النَّفْسِ وَهَلْ هِيَ جَائِزَةٌ لِصَوْنِ الْمَالِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهَا بِالْجَوَازِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم {حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ} . وَقَوْلُهُ {مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْمَالِ شَدِيدَةٌ , وَالْمَاءُ إذَا بِيعَ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ سَقَطَ فَرْضُ الْوُضُوءِ وَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ نُقْصَانِ الْمَالِ , فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ هَاهُنَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ التَّخْوِيفَ بِأَخْذِ الْمَالِ إكْرَاهٌ وَلَوْ قَلِيلًا وَفِي مَذْهَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: الْإِكْرَاهُ يَخْتَلِفُ. وَاسْتَحْسَنَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَقِيلٍ. أَيْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَاخْتِلَافِ الْأَمْرِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ وَالْأَمْرِ الْمَخُوفِ فَرُبَّ أَمْرٍ يَرْهَبُ مِنْهُ شَخْصٌ ضَعِيفٌ وَلَا يَرْهَبُهُ شَخْصٌ قَوِيٌّ شُجَاعٌ. وَرُبَّ شَخْصٍ ذِي وَجَاهَةٍ يَضَعُ الْحَبْسَ وَلَوْ يَوْمًا مِنْ قَدْرِهِ وَجَاهِهِ فَوْقَ مَا يَضَعُ الْحَبْسُ شَهْرًا مِنْ قَدْرِ غَيْرِهِ وَرُبَّ تَهْدِيدٍ أَوْ ضَرْبٍ يَسِيرٍ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْكَذِبُ الْيَسِيرُ وَيُلْغَى بِسَبَبِهِ الْإِقْرَارُ بِالْمَالِ الْيَسِيرِ , وَلَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْإِقْرَارُ بِالْكُفْرِ أَوْ الْمَالِ الْعَظِيمِ. وَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا مُصْطَلَحُ (إكْرَاهٌ) . وَأَمَّا خَوْفُ فَوْتِ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ قَالَ فِيهِ الْأَلُوسِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التُّحْفَةِ إنَّهُ لَا يُجِيزُ التَّقِيَّةَ. وَذَلِكَ كَمَنْ يَخْشَى إنْ لَمْ يُظْهِرْ الْمُحَرَّمَ أَنْ يَفُوتَهُ تَحْصِيلُ مَنْصِبٍ أَوْ مَالٍ يَرْجُو حُصُولَهُ وَلَيْسَ بِهِ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} ذَمَّهُمْ عَلَى الْكِتْمَانِ فِي مُقَابَلَةِ مَصَالِحَ عَاجِلَةٍ. أَيْ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ. لِأَنَّ قَوْلَ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُ الْإِنْسَانِ بِلِسَانِهِ خِلَافُ مَا فِي قَلْبِهِ كُلُّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَالْكَاذِبُ مَثَلًا لَا يَكْذِبُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا مِنْ وَرَاءِ كَذِبِهِ , وَلَوْ سُئِلَ لَقَالَ إنَّمَا كَذَبْت لِغَرَضِ كَذَا وَكَذَا أُرِيدُ تَحْصِيلَهُ , فَلَوْ جَازَ الْكَذِبُ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لَعَادَ كُلُّ كَذِبٍ مُبَاحًا وَيَكُونُ هَذَا قَلْبًا لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَإِخْرَاجًا لَهَا عَنْ وَضْعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ.
أَنْوَاعُ التَّقِيَّةِ: