فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 1045

هذه الكلمات الهائلة ترد ضمن آية موضوعها التحريم والتحليل لبعض الذبائح ; وفي سياق السورة التي تضم تلك الأغراض التي أسلفنا بيانها. . ما دلالة هذا ?

إن بعض دلالته أن شريعة الله كل لا يتجزأ. كل متكامل. سواء فيه ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; ومايختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية. وأن هذا في مجموعة هو"الدين"الذي يقول الله عنه في هذه الآية: إنه أكمله. وهو"النعمة"التي يقول الله للذين آمنوا: إنه أتمها عليهم. وأنه لا فرق في هذا الدين بين ما يختص بالتصور والاعتقاد ; وما يختص بالشعائر والعبادات ; وما يختص بالحلال والحرام ; وما يختص بالتنظيمات الاجتماعية والدولية. . فكلها في مجموعها تكون المنهج الرباني الذي ارتضاه الله للذين آمنوا ; والخروج عن هذا المنهج في جزئية منه , كالخروج عليه كله , خروج على هذا"الدين"وخروج من هذا الدين بالتبعية. .

والأمر في هذا يرجع إلى ما سبق لنا تقريره ; من أن رفض شيء من هذا المنهج , الذي رضيه الله للمؤمنين , واستبدال غيره به من صنع البشر ; معناه الصريح هو رفض ألوهية الله - سبحانه - وإعطاء خصائص الألوهية لبعض البشر ; واعتداء على سلطان الله في الأرض , وادعاء للألوهية بادعاء خصيصتها الكبرى. . الحاكمية. . وهذا معناه الصريح الخروج على هذا الدين ; والخروج من هذا الدين بالتبعية. .

(اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) . .

يئسوا أن يبطلوه , أو ينقصوه , أو يحرفوه. وقد كتب الله له الكمال ; وسجل له البقاء. . ولقد يغلبونعلى المسلمين في موقعة , أو في فترة , ولكنهم لا يغلبون على هذا الدين. فهو وحده الدين الذي بقي محفوظا لا يناله الدثور , ولا يناله التحريف أيضا , على كثرة ما أراد أعداؤه أن يحرفوه ; وعلى شدة ما كادوا له , وعلى عمق جهالة أهله به في بعض العصور. . غير أن الله لا يخلي الأرض من عصبة مؤمنة ; تعرف هذا الدين ; وتناضل عنه , ويبقى فيها كاملا مفهوما محفوظا ; حتى تسلمه الى من يليها. وصدق وعد الله في يأس الذين كفروا من هذا الدين!

(فلا تخشوهم واخشون) . . .

فما كان للذين كفروا أن ينالوا من هذا الدين في ذاته أبدا. وما كان لهم أن ينالوا من أهله إلا أن ينحرف أهله عنه ; فلا يكونوا هم الترجمة الحية له ; ولا ينهضوا بتكاليفه ومقتضياته ; ولا يحققوا في حياتهم نصوصه وأهدافه. .

وهذا التوجيه من الله للجماعة المسلمة في المدينة , لا يقتصر على ذلك الجيل ; إنما هو خطاب عام للذين آمنوا في كل زمان وفي كل مكان. . نقول: للذين آمنوا. . الذين يرتضون ما رضيه الله لهم من هذا الدين , بمعناه الكامل الشامل ; الذين يتخذون هذا الدين كله منهجا للحياة كلها. . وهؤلاء - وحدهم - هم المؤمنون. .

اليوم أكملت لكم دينكم. وأتممت عليكم نعمتي. ورضيت لكم الإسلام دينًا. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت