فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 1045

والنظام , وعلى الله وحده يتوكل ومنه وحده يخاف. . ويحققها له , بالمنهج الرباني , حين يرفع اهتماماته ويهذب نوازعه , ويجمع طاقته للخير والبناء والارتقاء , والاستعلاء على نوازع الحيوان , ولذائذ البهيمة وانطلاق الأنعام!

ولا يدرك حقيقة نعمة الله في هذا الدين , ولا يقدرها قدرها , من لم يعرف حقيقة الجاهلية ومن لم يذق ويلاتها - والجاهلية في كل زمان وفي كل مكان هي منهج الحياة الذي لم يشرعه الله - فهذا الذي عرف الجاهلية وذاق ويلاتها. . ويلاتها في التصور والاعتقاد , وويلاتها في واقع الحياة. . هو الذي يحس ويشعر , ويرى ويعلم , ويدرك ويتذوق حقيقة نعمة الله في هذا الدين. .

الذي يعرف ويعاني ويلات الضلال والعمى , وويلات الحيرة والتمزق , وويلات الضياع والخواء , في معتقدات الجاهلية وتصوراتها في كل زمان وفي كل مكان. .

هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الإيمان ; والذي يعرف ويعاني ويلات الطغيان والهوى , وويلات التخبط والاضطراب , وويلات التفريط والإفراط في كل أنظمة الحياة الجاهلية , هو الذي يعرف ويتذوق نعمة الحياة في ظل الإيمان بمنهج الإسلام.

ولقد كان العرب المخاطبون بهذا القرآن أول مرة , يعرفون ويدركون ويتذوقون هذه الكلمات. لأن مدلولاتها كانت متمثلة في حياتهم , في ذات الجيل الذي خوطب بهذا القرآن. .

كانوا قد ذاقوا الجاهلية. . ذاقوا تصوراتها الاعتقادية. وذاقوا أوضاعها الاجتماعية. وذاقوا أخلاقها الفردية والجماعية. وبلوا من هذا كله ما يدركون معه حقيقة نعمة الله عليهم بهذا الدين ; وحقيقة فضل الله عليهم ومنته بالإسلام.

كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية ; وسار بهم في الطريق الصاعد , إلى القمة السامقة - كما فصلنا ذلك في مستهل سورة النساء - فإذا هم على القمة ينظرون من عل إلى سائر أمم الأرض من حولهم ; نظرتهم إلى ماضيهم في جاهليتهم كذلك.

كان الإسلام قد التقطهم من سفح الجاهلية في التصورات الاعتقادية حول ربوبية الأصنام , والملائكة , والجن , والكواكب , والأسلاف ; وسائر هذه الأساطير الساذجة والخرافات السخيفة ; لينقلهم إلى أفق التوحيد. إلى أفق الإيمان بإله واحد , قادر قاهر , رحيم ودود , سميع بصير , عليم خبير. عادل كامل. قريب مجيب. لا واسطة بينه وبين أحد ; والكل له عباد , والكل له عبيد. . ومن ثم حررهم من سلطان الكهانة , ومن سلطان الرياسة , يوم حررهم من سلطان الوهم والخرافة. .

وكان الإسلام قد التقطهم من سقح الجاهلية في الأوضاع الاجتماعية. من الفوارق الطبقية ; ومن العادات الزرية ; ومن الاستبداد الذي كان يزاوله كل من تهيأ له قدر من السلطان [لا كما هو سائد خطأ من أن الحياة العربية كانت تمثل الديمقراطية!] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت