والبطر والمراءاة والصد عن سبيل الله تتجلى كلها في قولة أبي جهل , وقد جاءه رسول أبي سفيان - بعد أن ساحل بالعير فنجت من رصد المسلمين - يطلب إليه الرجوع بالنفير , إذ لم تعد بهم حاجة لقتال محمد وأصحابه. وكانت قريش قد خرجت بالقيان والدفوف يغنون وينحرون الجزر على مراحل الطريق. فقال أبو جهل:"لا والله لا نرجع حتى نرد بدرًا , فنقيم ثلاثًا , ننحر الجزر , ونطعم الطعام , ونشرب الخمر , وتعزف القيان علينا , فلن تزال العرب تهابنا أبدًا". . فلما عاد الرسول إلى أبي سفيان برد أبي جهل قال:"واقوماه! هذا عمل عمرو بن هشام [يعني أبا جهل] كره أن يرجع , لأنه ترأس على الناس فبغى , والبغي منقصة وشؤم , إن أصاب محمد النفير ذللنا". . وصحت فراسة أبي سفيان , وأصاب محمد صلى الله عليه وسلم النفير ; وذل المشركون بالبطر والبغي والرياء والصد عن سبيل الله ; وكانت بدر قاصمة الظهر لهم:
(والله بما يعملون محيط) . .
لا يفوته منهم شيء , ولا يعجزه من قوتهم شيء , وهو محيط بهم وبما يعملون.
ويمضي السياق يصور وسوسة الشيطان للمشركين وإغراءهم بهذا الخروج الذي نالهم منه ما نالهم من الذل والخيبة والخسار والانكسار:
(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم , وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس , وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه , وقال: إني بريء منكم , إني أرى ما لا ترون , إني أخاف الله , والله شديد العقاب) . .
وبعد , فإنه بينما كان الشيطان يخدع المشركين الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله , ويشجعهم على الخروج , ثم يتركهم لمصيرهم البائس. . . كان المنافقون والذين في قلوبهم ضعف , يظنون بالعصبة المؤمنة الظنون ; وهم يرونها تواجه جحافل المشركين , وهي قليلة العدد ضعيفة العدة ; ويرون - بقلوبهم المدخولة ونظرتهم إلى الظواهر المادية الخادعة - أن المؤمنين أوردوا أنفسهم موارد التهلكة , مخدوعين بدينهم , ظانين أنه ينصرهم أو يقيهم:
(إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم) . .
والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل: إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الاسلام في مكة - ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين , فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة!
والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة ; فهم يرون ظواهر الأمور , دون أن تهديهم بصيرة إلى بواطنها ; ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة , والثقة في الله , والتوكل عليه , واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا ترتكن إلى عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية. .