لا جهاد إلا لتكون كلمة الله هي العليا. العليا في النفس والضمير. والعليا في الخلق والسلوك. والعليا في الأوضاع والنظم. والعليا في العلاقات والإرتباطات في كل أنحاء الحياة. وما عدا هذا فليس لله. ولكن للشيطان. وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد.
وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند الله ولا تثبيت للأقدام. وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف.
وإذا عز على غير أصحاب الدعوة لله أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف , فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى الله أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهة الأولى في شرط الله. .
وبعد فهذا شرط الله على الذين آمنوا. فأما شرطه لهم فهو النصر وتثبيت الأقدام. وعد الله لا يخلفه. فإذا تخلف فترة ; فهو أجل مقدر لحكمة أخرى تتحقق مع تحقق النصر والتثبيت. ذلك حين يصح أن المؤمنين وفوا بالشرط ثم تخلف عنهم - فترة - نصر الله.
ثم نقف لحظة أمام لفتة خاصة في التعبير: (ينصركم. ويثبت أقدامكم) . .
إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر , ويكون سببا فيه. وهذا صحيح. ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت. معنى التثبيت على النصر وتكاليفه. فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان , وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة. للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر. وفي عدم التراخي بعده والتهاون. وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء. ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء. وصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر. ولعل هذا هو ما تشير إليه عبارة القرآن. والعلم لله.
(والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم) . .
وذلك عكس النصر وتثبيت الأقدام. فالدعاء بالتعس قضاء من الله سبحانه بالتعاسة والخيبة والخذلان وإضلال الأعمال ضياع بعد ذلك وفناء. .
(ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) . .
وهو تصوير لما يعتمل في قلوبهم ويختلج في نفوسهم من الكراهية لما أنزل الله من قرآن وشريعة ومنهج واتجاه. وهذا هو الذي يدفع بهم إلى الكفر والعناد والخصومة والملاحاة. وهي حالة كثير من النفوس الفاسدة التي تكره بطبعها ذلك النهج السليم القويم , وتصادمه من داخلها , بحكم مغايرة طبيعتها لطبيعته. وهي نفوس يلتقي بها الإنسان كثيرا في كل زمان وفي كل مكان , ويحس منها النفرة والكراهية لهذا الدين وما يتصل به ; حتى إنها لتفزع من مجرد ذكره كما لو كانت قد لذعتها العقارب! وتتجنب أن يجيء ذكره أو الإشارة إليه فيما تسمع حولها من حديث!