فهرس الكتاب

الصفحة 866 من 1045

(ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله , ومأواه جهنم وبئس المصير) .

ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته ; وما فيه من إيماءات عجيبة: (فلا تولوهم الأدبار) . . (ومن يولهم يومئذ دبره) . . فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية , مع التقبيح والتشنيع , والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء!. . ثم: (فقد باء بغضب من الله) . . فالمهزوم مولٍّ ومعه (غضب من الله) يذهب به إلى مأواه: (ومأواه جهنم وبئس المصير) . .

وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام ; وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار.

ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف ; ليكشف لهم عن يد الله وهي تدير المعركة من ورائهم ; وتقتل لهم أعداءهم , وترمي لهم وتصيب. . . وهم ينالون أجر البلاء لأن الله يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء , ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه:

(فلم تقتلوهم , ولكن الله قتلهم , وما رميت - إذ رميت - ولكن الله رمى. وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. إن الله سميع عليم) . .

وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه الكفار , وهو يقول:"شاهت الوجوه. شاهت الوجوه"فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم الله. .

ولكن دلالة الآية أعم. فهي تمثل تدبير الله للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم والعصبة المسلمة معه. ولذلك تلاها قول الله تعالى:

(وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا) . .

أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر , بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولًا وأخيرًا.

(إن الله سميع عليم) . .

يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم ; ويجعلكم ستارا لقدرته , متى علم منكم الخلوص له ; ويعطيكم النصر والأجر. . كما أعطاكم هذا وذاك في بدر. .

(ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين) . .

وهذه أخرى بعد تلك الأولى! إن التدبير لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم , ويصيبهم برمية رسولكم , ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه. . إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين , وإضعاف تدبيرهموتقديرهم. . فلا مجال إذن للخوف , ولا مجال إذن للهزيمة , ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت