لسنة أخرى من سنن الله في الأرض , وهي مداولة الأيام بين الناس - وفقا لما يبدو من عمل الناس ونيتهم - فتكون لهؤلاء يوما ولأولئك يوما. ومن ثم يتبين المؤمنون ويتبين المنافقون. كما تتكشف الأخطاء. وينجلي الغبش.
(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس. . وليعلم الله الذين آمنوا) . .
إن الشدة بعد الرخاء , والرخاء بعد الشدة , هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس , وطبائع القلوب , ودرجة الغبش فيها والصفاء , ودرجة الهلع فيها والصبر , ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط , ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح!
عندئذ يتميز الصف ويتكشف عن: مؤمنين ومنافقين , ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم , وتتكشف في دنيا الناس دخائل نفوسهم. ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلة التناسق بين أعضائه وأفراده , وهم مختلطون مبهمون!
والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين. والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور. ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء , وتجعله واقعا في حياة الناس , وتحول الإيمان إلى عمل ظاهر , وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر , ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء. فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم.
ومداولة الأيام , وتعاقب الشدة والرخاء , محك لا يخطئ , وميزان لا يظلم. والرخاء في هذا كالشدة. وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك , ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل. والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء ولا تستخفها السراء , وتتجه إلى الله في الحالين , وتوقن أن ما أصابها من الخير والشر فبإذن الله.
وقد كان الله يربي هذه الجماعة - وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية - فرباها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء , والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب - وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة. لتتعلم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة. ولتزيد طاعة لله , وتوكلا عليه , والتصاقا بركنه. ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين
ويمضي السياق يكشف للأمة المسلمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث المعركة , وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس , وفيما بعد تمييز الصفوف , وعلم الله للمؤمنين:
(ويتخذ منكم شهداء) . .
وهو تعبير عجيب عن معنى عميق - إن الشهداء لمختارون. يختارهم الله من بين المجاهدين , ويتخذهم لنفسه - سبحانه - فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد. إنما هو اختيار وانتقاء , وتكريم واختصاص. .
إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة , ليستخلصهم لنفسه - سبحانه - ويخصهم بقربه