فهرس الكتاب

الصفحة 921 من 1045

هذا فقه ذلك التعبير العجيب:

(ويتخذ منكم شهداء. .) . .

وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , ومقتضاه. .

لا ما انتهى إليه مدلول هذه الشهادة من الرخص والتفاهة والضياع!

(والله لا يحب الظالمين) . .

والظلم كثيرا ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك. بوصفه أظلم الظلم وأقبحه. وفي القرآن: (إن الشرك لظلم عظيم) . . وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أنه قال: قلت: يا رسول الله. أي الذنب أعظم ? قال:"أن تجعل لله ندا وهو خلقك. . .". .

وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين ; فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين. فهو توكيد في صورة أخرى لحقيقة ما ينتظر المكذبين الظالمين الذين لا يحبهم الله. والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين , يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين. وهذه الإثارة في معرض الحديث عن الجهاد والاستشهاد , لها مناسبتها الحاضرة. فالمؤمن إنما يبذل نفسه في مكافحة ما يكرهه الله ومن يكرهه. وهذا هو مقام الاستشهاد , وفي هذا تكون الشهادة ; ومن هؤلاء يتخذ الله الشهداء. .

ثم يمضي السياق القرآني يكشف عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث , في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى , ولتكون أداة من أدوات قدره في محق الكافرين , وستارا لقدرته في هلاك المكذبين:

(وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) . .

والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز. التمحيص عملية تتم في داخل النفس , وفي مكنون الضمير. . إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية , وتسليط الضوء على هذه المكنونات. تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب , وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق , بلا غبش ولا ضباب. .

وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه , ومخابئها ودروبها ومنحنياتها. وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها , وحقيقة ما استكن فيها من رواسب , لا تظهر إلا بمثير!

وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله - سبحانه - بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء , يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير: محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية.

ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص. . ثم إذا هو يكشف - على ضوء التجربة العملية , وفي مواجهة الأحداث الواقعية - إن في نفسه عقابيل لم تمحص. وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه , ليعاود المحاولة في سبكها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت