فهرس الكتاب

الصفحة 923 من 1045

(ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه. فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) . .

وهكذا يقفهم السياق وجها لوجه مرة أخرى أمام الموت الذي واجهوه في المعركة , وقد كانوا من قبل يتمنون لقاءه. ليوازنوا في حسهم بين وزن الكلمة يقولها اللسان , ووزن الحقيقة يواجهها في العيان. فيعلمهم بهذا أن يحسبوا حسابا لكل كلمة تطلقها السنتهم , ويزنوا حقيقة رصيدها الواقعي في نفوسهم , على ضوء ما واجهوه من حقيقتها حين واجهتهم!

وبذلك يقدرون قيمة الكلمة , وقيمة الأمنية , وقيمة الوعد , في ضوء الواقع الثقيل! ثم يعلمهم أن ليست الكلمات الطائرة , والأماني المرفرفة هي التي تبلغهم الجنة , إنما هو تحقيق الكلمة , وتجسيم الأمنية , والجهاد الحقيقي , والصبر على المعاناة. حتى يعلم الله منهم ذلك كله واقعا كائنا في دنيا الناس!

ولقد كان الله - سبحانه - قادرا على أن يمنح النصر لنبيه ولدعوته ولدينه ولمنهجه منذ اللحظة الأولى , وبلا كد من المؤمنين ولا عناء. وكان قادرا أن ينزل الملائكة تقاتل معهم - أو بدونهم - وتدمر على المشركين , كما دمرت على عاد وثمود وقوم لوط. .

ولكن المسألة ليست هي النصر. .

إنما هي تربية الجماعة المسلمة , التي تعد لتتسلم قيادة البشرية. .

البشرية بكل ضعفها ونقصها ; وبكل شهواتها ونزواتها ; وبكل جاهليتها وانحرافها. .

وقيادتها قيادة راشدة تقتضي استعدادا عاليا من القادة. وأول ما تقتضيه صلابة في الخلق , وثبات على الحق , وصبر على المعاناة , ومعرفة بمواطن الضعف ومواطن القوة في النفس البشرية , وخبرة بمواطن الزلل ودواعي الانحراف , ووسائل العلاج. . ثم صبر على الرخاء كالصبر على الشدة. وصبر على الشدة بعد الرخاء. وطعمها يومئذ لاذع مرير!. .

وهذه التربية هي التي يأخذ الله بها الجماعة المسلمة حين يأذن بتسليمها مقاليد القيادة , ليعدها بهذه التربية للدور العظيم الهائل الشاق , الذي ينوطه بها في هذه الأرض. وقد شاء - سبحانه - أن يجعل هذا الدور من نصيب"الإنسان"الذي استخلفه في هذا الملك العريض!

وقدر الله في إعداد الجماعة المسلمة للقيادة يمضي في طريقه , بشتى الأسباب والوسائل , وشتى الملابسات والوقائع. .

يمضي أحيانا عن طريق النصر الحاسم للجماعة المسلمة , فتستبشر , وترتفع ثقتها بنفسها - في ظل العون الإلهي - وتجرب لذة النصر , وتصبر على نشوته , وتجرب مقدرتها على مغالبة البطر والزهو والخيلاء , وعلى التزام التواضع والشكر لله. .

ويمضي أحيانا عن طريق الهزيمة والكرب والشدة. فتلجأ إلى الله , وتعرف حقيقة قوتها الذاتية , وضعفها حين تنحرف أدنى انحراف عن منهج الله. وتجرب مرارة الهزيمة ; وتستعلي مع ذلك على الباطل , بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت