إيمان تجاه كفر. وحق إزاء باطل. ودعوة إلى الله لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين. فلا تلجلج في الضمير , ولا غبش في التصور , ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق.
وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: (فهزموهم بإذن الله) . . ويؤكد النص هذه الحقيقة: (بإذن الله) . . ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما. وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون , ولطبيعة القوة التي تجريه. . إن المؤمنين ستار القدرة ; يفعل الله بهم ما يريد , وينفذ بهم ما يختار. . بإذنه. . ليس لهم من الأمر شيء , ولا حول لهم ولا قوة , ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته , فيكون منهم ما يريده بإذنه. . وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين. . إنه عبد الله. اختاره الله لدوره. وهذه منة من الله وفضل. وهو يؤدي هذا الدور المختار , ويحقق قدر الله النافذ. ثم يكرمه الله - بعد كرامة الاختيار - بفضل الثواب. . ولولا فضل الله ما فعل , ولولا فضل الله ما أثيب. . ثم إنه مستيقن من نبل الغاية وطهارة القصد ونظافة الطريق. . فليس له في شيء من هذا كله أرب ذاتي , إنما هو منفذ لمشيئة الله الخيرة قائم بما يريد. استحق هذا كله بالنية الطيبة والعزم على الطاعة والتوجه إلى الله في خلوص.
ويبرز السياق دور داود:
(وقتل داود جالوت) . .
وداود كان فتى صغيرا من بني إسرائيل. وجالوت كان ملكا قويا وقائدا مخوفا. . ولكن الله شاء أن يرى القوم وقتذاك أن الأمور لا تجري بظواهرها , إنما تجري بحقائقها. وحقائقها يعلمها هو. ومقاديرها في يده وحده. فليس عليهم إلا أن ينهضوا هم بواجبهم , ويفوا الله بعهدهم. ثم يكون ما يريده الله بالشكل الذي يريده. وقد أراد أن يجعل مصرع هذا الجبار الغشوم على يد هذا الفتى الصغير , ليرى الناس أن الجبابرة الذين يرهبونهم ضعاف ضعاف يغلبهم الفتية الصغار حين يشاء الله أن يقتلهم. . وكانت هنالك حكمة أخرى مغيبة يريدها الله. فلقد قدر أن يكون داود هو الذي يتسلم الملك بعد طالوت , ويرثه إبنه سليمان , فيكون عهده هو العهد الذهبي لبني إسرائيل في تاريخهم الطويل ; جزاء انتفاضة العقيدة في نفوسهم بعد الضلال والانتكاس والشرود:
(وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء) . .
وكان داود ملكا نبيا , وعلمه الله صناعة الزرد وعدة الحرب مما يفصله القرآن في مواضعه في سور أخرى. . أما في هذا الموضع فإن السياق يتجه إلى هدف آخر من وراء القصة جميعا. . وحين ينتهي إلى هذه الخاتمة , ويعلن النصر الأخير للعقيدة الواثقة لا للقوة المادية , وللإرادة المستعلية لا للكثرة العددية. .
حينئذ يعلن عن الغاية العليا من اصطراع تلك القوى. . إنها ليست المغانم والأسلاب , وليست الأمجاد والهالات. .
إنما هو الصلاح في الأرض , وإنما هو التمكين للخير بالكفاح مع الشر: