فهرس الكتاب

الصفحة 929 من 1045

ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل الله - وقد تهيأت كل نفس , واستعد كل قلب وشد كل عصب , وتحفز كل عرق ; وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين:

(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) . .

حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء , وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم:

إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين , وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا. .

فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجيء عجيب. ولكنه صادق عميق:

(بأنهم قوم لا يفقهون) . .

فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر ? ولكنها صلة حقيقية , وصلة قوية. . إن الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها , وتفقه منهجها , وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها. . إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية ; فتفقه أن الألوهية لا بد أن تنفرد وتستعلي , وأن العبودية يجب أن تكون لله وحده بلا شريك. وتفقه أنها هي - الأمة المسلمة - المهتدية بهدى الله , المنطلقة في الأرض بإذن الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ; وأنها هي المستخلفة عن الله في الأرض ; الممكنة فيها لا لتستعلي هي تستمع ; ولكن لتعلي كلمة الله وتجاهد في سبيل الله ; ولتعمر الأرض بالحق ; وتحكم بين الناس بالقسط ; وتقيم في الأرض مملكة الله التي تقوم على العدل بين الناس. . وكل ذلك فقه يسكب في قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين ; ويدفع بها إلى الجهاد في سبيل الله في قوة وفي طمأنينة للعاقبة تضاعف القوة. بينما أعداؤها (قوم لا يفقهون) . قلوبهم مغلقة , وبصائرهم مطموسة ; وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة. إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير!

وهذه النسبة. . واحد لعشرة. . هي الأصل في ميزان القوى بين المؤمنين الذين يفقهون والكافرين الذين لا يفقهون. . وحتى في أضعف حالات المسلمين الصابرين فإن هذه النسبة هي: واحد لاثنين:

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين , وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله , والله مع الصابرين. .

وقد فهم بعض المفسرين والفقهاء أن هذه الآيات تتضمن أمرًا للذين آمنوا ألا يفر الواحد منهم من عشرة في حالة القوة , وألا يفر الواحد من اثنين في حالة الضعف. . وهناك خلافات فرعية كثيرة لا ندخل نحن فيها. . فالراجح عندنا أن الآيات إنما تتضمن حقيقة في تقدير قوة المؤمنين في مواجهة عدوهم في ميزان الله وهو الحق ; وأنها تعريف للمؤمنين بهذه الحقيقة لتطمئن قلوبهم , وتثبت أقدامهم ; وليست أحكامًا تشريعية - فيما نرجح - والله أعلم بما يريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت