فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 1045

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

فَصْل

في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا} الآية [يوسف: 110] قراءتان في هذه الآية: بالتخفيف والتثقيل. وكانت عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف، كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة، قالت له ـ وهو يسألها عن قوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} مخففة قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذا النصر ـ {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} بمن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك، لعمري لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن.

وفي الصحيح ـ أيضًا ـ عن ابن جُرَيجٍ سمعت ابن أبي مُلَيكَةَ يقول: قال ابن عباس: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} ، خفيفة ذهب بها هنالك، وتلا: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ} [البقرة: 214] ، فلقيت عروة فذكرت ذلك له، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يكون، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنوا خافوا أن يكون من معهم يكذبهم فكانت تقرؤها: (وظنوا أنهم قد كذِّبوا) مثقلة.

فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار للمكذبين، وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم، ولكن القراءة الأخري ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأولها ابن عباس، وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: {مَتَى نَصْرُ اللّهِ} ، فإن هذه كلمة تبطيء لطلب التعجيل.

وقوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} قد يكون مثل قوله: {إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] ، والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح، كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم، ويسمون الاعتقاد المرجوح وهمًا، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) ، وقد قال تعالى: {إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] .

/ فالاعتقاد المرجوح هو ظن، وهو وهم، وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل) ، وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان، كما ثبت في الصحيح أن الصحابة قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحَّرق حتى يصير حُمَمَة، أو يخر من السماء إلى الأرض، أحب إليه من أن يتكلم به. قال: (أو قد وجدتموه؟) قالوا: نعم. قال: (ذلك صريح الإيمان) ، وفي حديث آخر: إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) .

فهذه الأمور التي هي تُعْرض ثلاثة أقسام: منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان، وإن كان لا يزيله، واليقين في القلب له مراتب، ومنه ما هو عفو يعفي عن صاحبه، ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت