فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 1045

لئلا ييأس المؤمن؛ ولهذا فيها: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111] فذكر استيئاس الإخوة من أخي يوسف، وذكر استيئاس الرسل، يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس، وما ذكرته عائشة جميعًا.

الوجه الرابع: أن الاستيئاس استفعال من اليأس، والاستفعال / يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير، فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية، يقال: استخرجت المال من غيري، وكذلك استفهمت، ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس، فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه؛ ولأن استيأس: فعل لازم لا متعد.

ويكون الاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره، وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم: استحجر الطين، أي: صار كالحجر. واستنوق الفحل، أي: صار كالناقة. وأما النظر فيما استيأسوا منه، فإن الله ـ تعإلى ـ ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ} .

وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه، بل أطلق وصفهم بالاستيئاس، فليس لأحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به، وأخبروا بكونه، ولا ذكر ابن عباس ذلك.

وثبت أن قوله: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} لا يدل على ظاهره، فضلا عن باطنه: أنه حصل في قلوبهم مثل تساوي الطرفين فيما أخبروا به، فإن لفظ الظن في اللغة لايقتضي ذلك، بل يسمي ظنًا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرا مرجوحا في نفسه. واسم / اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله وتصديقه، وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته، ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط، كما يحسب ذلك بعض الناس، كما نبهنا عليه في غير هذا الموضع؛ إذ المقصود هنا الكلام على قوله: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ} .

فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مطلقًا، فمن المعلوم أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق ـ كما هو غالب إخباراته ـ لم يقيد زمانه ولا مكانه، ولا سنته، ولا صفته، فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخري لم ينزل عليها خطاب الحق، بل اعتقدوها بأسباب أخري، كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام، ويطوفون به، أن ذلك يكون عام الحديبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا، ورجا أن يدخل مكة ذلك العام، ويطوف ويسعي. فلما استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام ـ لما صدهم المشركون، حتى قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح المشهور ـ بقي في قلب بعضهم شيء، حتى قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ونطوف؟ قال: (بلي. فأخبرتك أنك تدخله هذا العام؟) قال: لا. قال: (فإنك داخله ومطوف) وكذلك قال له أبو بكر.

وكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أكثر علمًا وإيمانًا من عمر، حتى تاب / عمر مما صدر منه، وإن كان عمر ـ رضي الله عنه ـ محدثًا كما جاء في الحديث الصحيح، أنه قال صلى الله عليه وسلم: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى أحد فعمر) فهو ـ رضي الله عنه ـ المحدث الملهم، الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه، ولكن مزية التصديق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت