فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 1045

وقد يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته، كما وقع مثل ذلك في أمور، كقوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ، نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم لما ظن صدقه، حتى أنزل الله هذه الآية.

وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل الله فيها: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105] وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق، وأخرجوا البريء؛ / فظن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وقال في حديث قصر الصلاة: (لم أنس ولم تقصر) ، فقالوا: بلي قد نسيت. وكان قد نسي، فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وروي عنه أنه قال: (إني لأنسي [في المطبوعة:(لا أنسي) ، والمثبت من مالك] لأَسُنَّ)، وأيضًا، فقوله في القرآن: {رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَانَا} [البقرة: 286] شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث قال في صدر الآيات: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} الآيتين [البقرة: 285، 286] .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسي الأنصاري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نَقِيضًا من فوقه، فرفع رأسه. فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم، فنزل منه ملك. فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فَسَلَّمَ وقال: أبشر بنورين أُوتِيتَهُما لم يؤْتَهُما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة. لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته.

وفي صحيح مسلم عن آدم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} ، دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله، فقال النبي / صلى الله عليه وسلم: (قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا) ، قال: فألقي الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} الآيات إلى قوله: {أَوْ أَخْطَانَا} ، قال: قد فعلت، إلى آخر السورة [البقرة: 286] ، قال: قد فعلت.

وفي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ} [البقرة: 284] اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) ، فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم؛ أنزل الله عز وجل في أثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ} إلى قوله: {وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] ، فلما فعلوا ذلك نسخها ـ سبحانه ـ فأنزل الله: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} إلى قوله: {قَبْلِنَا} [البقرة: 286] قال: نعم: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} قال: نعم. إلى آخر السورة. قال: نعم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت