الحوادث عن الذوات والأشخاص ; لم يعد يرى للقتال مبررا ; أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة!
(فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية , وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال ? لولا أخرتنا إلى أجل قريب!) .
وقد يكون هذا الفريق مؤمنا فعلا. بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا. فالإيمان الذي لم ينضج بعد ; والتصور الذي لم تتضح معالمه ; ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض - وأنها أكبر من حماية الأشخاص , وحماية الأقوام , وحماية الأوطان , إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض , وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم ; وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان , يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله ; ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض ; ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته - بأي لون من ألوان الفتنة - ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو - وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه. . وإذن فلم يكن الأمن في المدينة - حتى على فرض وجوده كاملا غير مهدد - لينهي مهمة المسلمين هناك ; وينهى عن الجهاد!
الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر ; والاستماع فقط إلى أمر الله وأعتباره هو العلة والمعلول , والسبب والمسبب , والكلمة الأخيرة - سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له - والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض ; ومهمته هو - المؤمن - بوصفه قدرا من قدر الله , ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة. .
لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف , الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير ; ويعجب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير.
فأما لماذا لم يأذن الله للمسلمين - في مكة - بالانتصار من الظلم ; والرد على العدوان ; ودفع الأذى بالقوة. . وكثيرون منهم كان يملك هذا ; فلم يكن ضعيفا ولا مستضعفا ولم يكن عاجزا عن رد الصاع صاعين. . مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة. .
أما حكمة هذا , والأمر بالكف عن القتال , وأقامة الصلاة وإيتاء الزكاة , والصبر والاحتمال. . حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق , وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته ; فيفتن عن دينه. وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته. .
أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها. لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة ; ونفرض على أوامره أسبابا وعللا , قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية. أو قد تكون , ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها , ويعلم - سبحانه - أن فيها الخير والمصلحة. . وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف. أو أي حكم في شريعة الله - لم يبين الله سببه محددا جازما حاسما - فمهما