فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 1045

أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب اللّه عليها الذل , فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء.

(ويستبدل قومًا غيركم) . .

يقومون على العقيدة , ويؤدون ثمن العزة , ويستعلون على أعداء اللّه:

(ولا تضروه شيئًا) . .

ولا يقام لكم وزن , ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب!

(واللّه على كل شيء قدير) . .

لا يعجزه أن يذهب بكم , ويستبدل قومًا غيركم , ويغفلكم من التقدير والحساب!

إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس , إثبات للوجود الإنساني الكريم. فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة: وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم. فهو فناء في ميزان اللّه وفي حساب الروح المميزة للإنسان.

ويضرب اللّه لهم المثل من الواقع التاريخي الذي يعلمونه , على نصرة اللّه لرسوله بلا عون منهم ولا ولاء , والنصر من عند اللّه يؤتيه من يشاء:

(إلا تنصروه فقد نصره اللّه إذ أخرجه الذين كفروا , ثاني اثنين إذ هما في الغار. إذ يقول لصاحبه: لا تحزن إن اللّه معنا. فأنزل اللّه سكينته عليه , وأيده بجنود لم تروها , وجعل كلمة الذين كفروا السفلى , وكلمة اللّه هي العليا , واللّه عزيز حكيم) . .

ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعًا , كما تضيق القوة الغاشمة دائمًا بكلمة الحق , لا تملك لها دفعًا , ولا تطيق عليها صبرًا , فائتمرت به , وقررت أن تتخلص منه ; فأطلعه اللّه على ما ائتمرت , وأوحى إليه بالخروج , فخرج وحيدًا إلا من صاحبه الصدّيق , لا جيش ولا عدة , وأعداؤه كثر , وقوتهم إلى قوته ظاهرة. والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه:

(إذ هما في الغار) .

والقوم على إثرهما يتعقبون , والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب , يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. والرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه , يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له:"يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ?".

ثم ماذا كانت العاقبة , والقوة المادية كلها في جانب , والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد ? كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار:

(وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) .

وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت