ولا ذاكرَ الله إلاّ قليلًا
فحذف التنوين من"ذاكر"حتى لا يلتقي الساكنان. فأصْل {عُزَيْرُ ابْنُ اللّهِ} بدون تنوين، هو"عزيرٌ ابن الله"بالتنوين، ثم حُذف بَدل الحركة، لأنّك لو نوّنت لقُلت:"عزيرٌ ابن الله"، فكأنّ هناك كَسرة يختلسها الإنسان تُشعر بها، إنّما تسمع نفسك وأنت تنطق"عزيرٌ ابن الله"بالتنوين، تجِد كسرة خاطِفة على نون التنوين يختلسها اللسان اختلاسًا، لينتقل إلى نُطق الباء الساكنة من {ابْنُ} . وهكذا في أكثر كلامهم، يحرِّكون التنوين هذه الحركة الخافتة جدًا، تفاديًا لالتقاء الساكنَيْن، وأحيانًا يَحذفون هذا التنوين، كما أشرنا.
وخلاصة ما قيل في الآية من وجْه صحيح: أنّ جملة: {عُزَيْرُ ابْنُ اللّهِ} من غير تنوين: جملة مكوّنة من مبتدإ وخبَر، ولا حاجة فيها إلى الحذف؛ لأنّك لو قدّرت مسندًا محذوفًا، فإنّك بذلك تكون قد أثبتَّ أنّ: عزيرًا ابن الله، حاشا لله ذلك!
ونعود مرّة ثانية إلى: أغراض حذْف المسند إليه في الكلام البليغ؛ قلنا: آخِر غرض: أن يكون هناك احتمالات في الحذف تكثِّر الفائدة، وتَعرّضْنا لشواهد من ذلك.
نقول بعد ذلك: قد يُحذف المسند اتّباعًا للاستعمال الوارد على الحذْف في مثْله، كوقوع المسنَد إليه بعد"لولا"كما في قول عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-:"لولا عليٌّ لهلَك عمر"، أي: لولا عليّ موجود. ولا يُحذف الخبر مع"لولا"إلاّ إذا كان أمرًا عامًا، كما في هذا المثال:"لولا عليّ لهلَك عمر"، أي: لولا عليّ موجود. فالخبر المحذوف:"موجود": خبر عامّ. فلو كان أمرًا خاصًا، فإنّه لا يجوز حذْفه لِعَدَم معرفته، كما في قولك:"لولا زيد سالَمَنا ما سلِم"، فلا بدّ هنا من ذِكر الأمر الخاص وعدم حذْفه، ومن ذلك قول الشاعر:
يُذيب الرّعبُ منهم كلّ عَضب
فلولا الغِمد يُمسكه لزالاَ
فذَكر الخبر هنا لأنّه أمر خاص:
"يذيب الرّعب منهم كلّ عضب"
الرعب يذيب العضب -وهو: السيف-، فلولا الغِمد يُمسك السيف لزال السيف. هذا خبر غريب؛ ولذلك ذَكر الخبر بعد"لولا"لأنّه أمر خاص.
ومِن حذْف المسنَد في الكلام العربي اتّباعًا للاستعمال الوارد: أن يكون المبتدأ صريحًا في القَسم، كما في قول الله -سبحانه وتعالى-: {لَعَمْرُكَ إِنْهُمْ لَفِي سَكْرَتِهُمْ يَعْمَهُونَ} ؛ فالتقدير:"لعمْرك يميني أو قسَمي". وكذلك العطف على المبتدإ بواو تفيد المعيّة، ورد فيه الحذف، كأن تقول:"كلّ جندي وسلاحه"، فالتقدير: مقترنان، بحذف الخبر أو المسنَد.
نتابع حذف المسند في الكلام العربيّ، اتّباعًا للاستعمال الوارد على الحذف فيه، فنقول:
مِن مواضع حذف المسند المطّرد في الكلام العربي: أن يشتمل الكلام على حال تسدّ مَسدّ الخبر، كقولهم:"أكثر شُربيَ السويق ملْتوتًا"، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (( أقربُ ما يكون العبد من ربِّه، وهو ساجد ) )، أي: أكثر شربيَ السويق حاصل إذا كان ملتوتًا، وأقرب ما يكون العبد من ربّه حاصل إذا كان ساجدًا. وقد اشترطوا في هذه الحال التي تسدّ مسدّ الخبر: أن تُغني عن الخبر، وأن لا تصلُح هي أن تكون خبرًا. ومن الواضح أنك تحسّ في هذه المَواضع كلّها أنّ ذِكر المسند يصيب العبارة بالتفكّك، والقلق، والبعد عن الدّقة والإحكام الذي كانت عليه مع الحذف.
ومن الحذْف لاتّباع الاستعمال الوارد: وقوع المسنَد إليه بعد"إذا"الفجائية كما في قولك:"خرجتُ فإذا الأسد"، فالتقدير: المسند المحذوف:"موجود"، ولا يُحذف الخبر هنا أيضًا إلاّ إذا كان أمرًا عامًا، مثل كلمة:"موجود".
ومن حذْف المسند أيضًا للسّبب نفسه -وهو: اتّباع الاستعمال الوارد عن العرب-:"إنّ محمدًا، وإنّ عليًا"، -أي: إنّ لي محمدًا، وإن لي عليًا-، تقول ذلك لمَن قال لك:"إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك!"، أو"إنّ القوم إِلبٌ عليك!"، يعني: مجتمعون عليك!، فتقول:"إنّ محمدًا، وإنّ عليًا"، أي: إنّ لي محمدًا، وإنّ لي عليًا أنتصر بهما". فتراهم يحذفون المسنَد عند تكرار"إنّ"، ولا يسوغ الحذف بدون وجود"إنّ"؛ فلا تقول مثلًا:"محمد وعليّ"، لاحتمال أن يكون القَصد إلى الاسم المفرد، بأن تَجمع محمد وعلي فقط."
(يُتْبَعُ)