ثم إن المدّ قسمان: أصلي، وفرعي فالأصلي هو المد الطبيعي الذي لا تقوم ذات حرف المدّ إلا به، ولا يتوقف على سبب، بل يكفي فيه وجود أحد حروف المد الثلاثة المجتمعة في قوله تعالى: {نُوحِيهََا} [هود: الآية 49] ، وعلامته أن لا يوجد بعده ساكن ولا همزة. وسمّي طبيعيّا لأن صاحب الطبيعة السليمة لا ينقصه عن حدّه ولا
يزيد عليه. وحدّه مقدار ألف وصلا ووقفا، ونقصه عن ألف حرام شرعا، فيعاقب على فعله ويثاب على تركه، فما يفعله بعض أئمة المساجد وأكثر المؤذنين من الزيادة في المد الطبيعي عن حده العرفي أي عرف القرّاء فمن أقبح البدع وأشدّ الكراهة لا سيما وقد يقتدي بهم بعض الجهلة من القراء. فإن قيل: ما قدر الألف؟ فقل: هو أن تمد صوتك بقدر النطق بحركتين إحداهما حركة الحرف الذي قبل حرف المدّ والأخرى هي حرف المدّ مثاله: ب ب فحركة الباء الأولى هي حركة الحرف الذي قبل حرف المد، والثانية هي مقدار حرف المدّ نحو (قال) و (يقول) و (قيل) فحركة القاف في الأمثلة الثلاثة المذكورة هي إحدى الحركتين المذكورتين، والألف في المثال الأوّل والواو في المثال الثاني والياء في المثال الثالث هي الحركة الثانية [اه. من الثغر الباسم] .
وأما المدّ الفرعي: فهو المدّ الزائد على المدّ الأصلي لسبب من الأسباب الآتية، وله شروط، وأسباب.
أما شروطه فثلاثة: الواو الساكنة المضموم ما قبلها، والياء الساكنة المكسور ما قبلها، والألف الساكنة المفتوح ما قبلها. وهي لا تكون دائما إلا حرف مدّ ولين لأنها لا تتغير عن سكونها، ولا يتغير ما قبلها عن الحركة المجانسة لها، بخلاف الواو والياء، فإنهما تارة يكونان حرفي مدّ إذا سكنا وناسبهما حركة ما قبلهما. وتارة يكونان حرفي لين إذا انفتح ما قبلهما كالخوف والبيت. وسيأتي الكلام عليهما في محله إن شاء الله تعالى.
وأما أسبابه، وتسمّى موجباته، فشيئان: أحدهما لفظي، والآخر معنوي. فاللفظي إما همز بعد أحد حروف المدّ، أو سكون، والهمز إمّا أن يوجد بعد حرف المد في كلمة ويسمّى مدّا متصلا، أو في كلمتين ويسمّى مدّا منفصلا، والسكون إما لازم أو عارض.
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى مفصّلا على هذا الترتيب.
وأما المعنوي فهو قصد المبالغة في النفي، وهو سبب قوي مقصود عند العرب، وإن كان سببا ضعيفا عند القرّاء، وهو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: مدّ تعظيم وهو في (لا) النافية في كلمة التوحيد نحو {لََا إِلََهَ إِلَّا اللََّهُ}
[الصّافات: الآية 35] و {لََا إِلََهَ إِلََّا أَنْتَ} [الأنبياء: الآية 87] و {لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ} [البقرة:
الآية 163].
قال ابن الجزري: وقد ورد هذا المدّ في هذه المواضع عند أصحاب القصر في المنفصل لهذا المعنى، ويسمى مدّ المبالغة لأنه طلب للمبالغة في نفي الألوهية عمّا
سوى الله تعالى، وهو مذهب معروف عند العرب لأنهم يمدّون ما لا أصل له في المدّ عند الدعاء أو الاستغاثة، وعند المبالغة في نفي شيء فالذي له أصل أولى وأحرى.