وقد يكون قبل انقضاء الفاصلة نحو {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهََا أَذِلَّةً} [النّمل: الآية 34] هذا انقضاء كلام بلقيس، ثم قال تعالى: {وَكَذََلِكَ يَفْعَلُونَ} [النّمل: الآية 34] وهو رأس آية. وقد يكون وسط الآية نحو {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جََاءَنِي} [الفرقان: الآية 29] وهو تمام حكاية قول الظالم وهو أبيّ بن خلف، ثم قال تعالى: {وَكََانَ الشَّيْطََانُ لِلْإِنْسََانِ خَذُولًا} [الفرقان: الآية 29] وهو رأس آية. وقد يكون بعد انقضاء الفاصلة بكلمة نحو {لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهََا سِتْرًا} [الكهف: الآية 90] آخر الآية، وتمام الكلام {كَذََلِكَ} [الكهف: الآية 91] أي أمر ذي القرنين كذلك. ونحو {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ} [الصافات: الآيتان 137، 138] ، رأس الآية {مُصْبِحِينَ}
[الصافات: الآية 137] ، والتمام {وَبِاللَّيْلِ} [الصّافات: الآية 138] لأنه معطوف على المعنى أي بالصبح وبالليل. ومثله {عَلَيْهََا يَتَّكِؤُنَ (34) وَزُخْرُفًا} [الزخرف: الآيتان 34، 35] رأس الآية {يَتَّكِؤُنَ} والتمام {وَزُخْرُفًا} لأنه معطوف على ما قبله من قوله: سُقُفًا مِنْ
فِضَّةٍ [الزّخرف: الآية 33] . قال ابن الجزري في النشر: وقد يكون الوقف تامّا على تفسير وإعراب، وقد يكون غير تام على تفسير وإعراب آخر نحو قوله: {وَمََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللََّهُ} [آل عمران: الآية 7] وقف تام على أنّ ما بعده مستأنف، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم، ومذهب أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث، وبه قال نافع والكسائي ويعقوب والفراء والأخفش، وأبو حاتم وسواهم من أئمة العربية، قال عروة: «الراسخون في العلم لا يعلمون التأويل لكن يقولون آمنا به، وهو غير تام عند آخرين والتمام عندهم {وَالرََّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: الآية 7] فهو عندهم معطوف عليه وهو اختيار ابن الحاجب وغيره. ونحو {قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ} [الزّخرف: الآية 81] وقف تام إن جعلت {إِنْ} نافية بمعنى ما، وهو قول ابن عباس أي ما كان للرحمن ولد، وإن جعلت شرطية كان الوقف على العابدين، والمعنى: إن كنتم تزعمون أن للرحمن ولدا {فَأَنَا أَوَّلُ الْعََابِدِينَ} [الزخرف: الآية 81] أي أوّل من عبد الله واعترف أنه إله. وقد يكون الوقف تاما على قراءة وغير تام على أخرى نحو {مَثََابَةً لِلنََّاسِ وَأَمْنًا}
[البقرة: الآية 125] تامّ على قراءة من كسر خاء {وَاتَّخِذُوا} [البقرة: الآية 125] ، وكاف على قراءة من فتحها. ونحو {إِلى ََ صِرََاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: الآية 1] : تامّ على قراءة من رفع الاسم الجليل بعدها، وحسن على قراءة من خفض. وقد يتفاضل التامّ في التمام نحو {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيََّاكَ نَعْبُدُ وَإِيََّاكَ نَسْتَعِينُ} (5) [الفاتحة:
الآيتان 4، 5]كلاهما تام إلا أن الأوّل أتمّ من الثاني لاشتراك الثاني وما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأوّل.
وقد يتأكد الوقف على التام لبيان معنى مقصود وهو ما لو وصل طرفاه لأوهم معنى غير المراد، وهذا هو الذي عبّر عنه السجاوندي باللازم. وعبّر عنه بعضهم بالواجب، فمن ذلك الوقف على قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوََاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظََّالِمِينَ} [البقرة: الآية 145] والابتداء بقوله: {الَّذِينَ آتَيْنََاهُمُ الْكِتََابَ} [البقرة: الآية 146] لئلا يوهم أن {الَّذِينَ} صفة {الظََّالِمِينَ} وهو مستأنف مدح في عبد الله بن سلام وأصحابه. ومن ذلك الوقف على قوله: {وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ}
[البقرة: الآية 274] والابتداء بقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبََا} [البقرة: الآية 275] لأن وصله بما قبله يوقع في محذور. ومنه الوقف على قوله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللََّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اللََّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيََاءُ} [آل عمران: الآية 181] والابتداء بقوله: {سَنَكْتُبُ مََا قََالُوا} [آل عمران: الآية 181] لأنه لو وصل لأوهم أن ما بعده من مقولهم، بينما هو إخبار من الله عن الكفار. ومنه الوقف على قوله: {سُبْحََانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ} [النّساء: الآية 171]
والابتداء بقوله: {لَهُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ} [النساء: الآية 171] لأنه لو وصل لأوهم أن ما بعده صفة له فكان المنفيّ ولدا موصوفا بأنه يملك السموات والأرض، والمراد نفي الولد مطلقا. ومنه الوقف على قوله: {يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لََا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصََارى ََ أَوْلِيََاءَ} [المائدة: الآية 51] والابتداء بقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيََاءُ بَعْضٍ} [المائدة: الآية 51] لأنه لو وصل لأوهم أن الجملة بعده صفة لأولياء، فيكون النهي عن اتخاذهم أولياء صفتهم أن بعضهم أولياء بعض، فإذا انتفى هذا الوصف جاز اتخاذهم أولياء، وهو محال، وإنما النهي عن اتخاذهم أولياء مطلقا. ومنه الوقف على قوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمََا يَعْرِفُونَ أَبْنََاءَهُمُ}
[الأنعام: الآية 20] والابتداء بقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأنعام: الآية 20] لأنه لو وصله لأوهم أن الجملة بعده نعت لأبناء عبد الله بن سلام وأصحابه المؤمنين. ومنه الوقف على قوله تعالى: {فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنعام: الآية 81] والابتداء بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنعام: الآية 82] لأنه لو وصله لأوهم أن {الَّذِينَ آمَنُوا} متصل بما قبله بل هو مبتدأ خبره {أُولََئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [الأنعام: الآية 82] ومنه قوله: {وَاللََّهُ لََا يَهْدِي الْقَوْمَ الظََّالِمِينَ} [التوبة: الآية 19] ، والابتداء بقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهََاجَرُوا} [التوبة: الآية 20] لئلا يوهم أن {الَّذِينَ آمَنُوا} صفة لما قبله. ومنه الوقف على قوله: {وَلََا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: الآية 65] ، والابتداء بقوله: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلََّهِ جَمِيعًا} [يونس: الآية 65] لئلا يوهم أن ذلك من مقولهم. ومثله {فَلََا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ}
[الآية 76] بياسين، والابتداء بقوله: {إِنََّا نَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ} [يس: الآية 76] لما تقدم.