وقال صاحب القول المفيد: وبهذا الحديث أي حديث أمّ سلمة استدلّ بعضهم على أن الوقف على رءوس الآي سنة وقال أبو عمرو: هو أحب إليّ، واختاره البيهقي في شعب الإيمان، وغيره من العلماء، وتعقبهما الجعبري في كتابه «الاهتداء» بأن الاستدلال بهذا الحديث على سنّية وقف الفواصل لا دلالة فيه على ذلك، لأنه إنما قصد به إعلام الفواصل قال: وجهل قوم هذا المعنى وسمّوه وقف السنّة، إذ لا يسنّ إلا ما فعله تعبّدا، ولكن هو وقف بيان. اهـ، وأيضا تعقب الاستدلال به الحافظ ابن حجر العسقلاني، ونظره من وجهين، إلى أن قال بعد النظرين: والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام إنما كان يقف ليبين للمستمعين رءوس الآي، ولو لم يكن لهذا لما وقف على {الْعََالَمِينَ} [الفاتحة: الآية 2] ولا {الرَّحِيمِ} لما في الوقف عليهما من قطع الصفة من الموصوف، ولا يخفى ما في ذلك اهـ، وفي ابن غازي: قال شيخنا الشيخ سلطان في مقدمة التكبير من طريق الشاطبية والدرة عند قوله: «ثم تجمع من قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (6) [الكافرون: الآية 6] إلى قوله: {وَاسْتَغْفِرْهُ} [النّصر: الآية 3] ، ولا يباح الوقف على قوله: {وَالْفَتْحُ} [النّصر: الآية 1] وإن كان رأس آية لأن رءوس الآي إنما يباح الوقف عليها إن تمّ الكلام بأن أخذ المبتدأ خبره، والفعل فاعله، والشرط جوابه، وكذا القسم، فلا يوقف على نحو {وَالْعَصْرِ} (1) [العصر: الآية 1] وكذا {وَالنَّجْمِ إِذََا هَوى ََ} (1) [النّجم: الآية 1] لكن إذا طال الكلام قبل الإتيان بالجواب يباح الوقف حينئذ كما في فواصل {وَالشَّمْسِ وَضُحََاهََا} (1) [الشمس: الآية 1] فيصح الوقف على فواصلها ولو كان قبل الجواب إلا على الفاصلة التي قبل قوله: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكََّاهََا} (9)
[الشّمس: الآية 9] لاتصالها بالجواب. وكذا {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} (1) [التّكوير: الآية 1] وكذا لا يوقف على رءوس الآي ولا على غيرها وإن تمّ الكلام بالمعنى المتقدّم حيث توقف الكلام على الإتيان بالصلة أو الحال مثلا كما في نحو {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} (4) [الماعون: الآية 4] وكما في نحو {وَمََا خَلَقْنَا السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ وَمََا بَيْنَهُمََا لََاعِبِينَ} (38) [الدّخان: الآية 38] فلا يوقف على قوله {لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون: الآية 4] ولا على {وَمََا بَيْنَهُمََا} اه. وقال بعض المفسرين: اعلم أن الآي توقيفية، وتكون كلمة واحدة نحو {وَالضُّحى ََ} (1) [الضّحى: الآية 1] و {وَالْفَجْرِ} (1) [الفجر: الآية 1] ولو لم يصحّ الوقف عليها لعدم تمام الكلام، والنبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقف عليها ليعلم الحاضرون أنها آية، ثم يصل إذا لم يتم الكلام، ولذلك أشار بعضهم بقول:
الوقف فوق رءوس الآي سنّة من ... عليه جبريل بالقرآن قد نزلا
محمّد المصطفى المبعوث من مضر ... ومن إلينا به دين الهدى وصلا
وكان يبدأ بعد الوقف إن صلحت ... بداءة، كن لما قد قلت ممتثلا
أما إذا البدء لم يصلح فكان يرى ... عود البدء لما قبل الذي انفصلا
ووقفه كان تعليما لمستمع ... آي القرآن كما قد قاله النّبلا
فثق بما قلت واحذر قول من يك ... مطلقا لوقف وبدء تبلغ الأملا
وقال كان رسول الله عند رءو ... س الآي بالوقف مشغوفا ومشتغلا
ويبدأن ولم يرجع وذا خطأ ... إن كان ما بعد بدء يورث الخللا
والمصطفى منه معصوم كما وردت ... به الأحاديث والتنزيل قد نزلا
وفي المرعشي نقلا عن بعضهم: إن المراد بالوقف في حديث أم سلمة السكت لأن الوقف والسكت والقطع عبارات يطلقها المتقدمون غالبا ويراد بها الوقف، وأما المتأخرون ففرّقوا بين كلّ منها. وفيه أيضا في المقالة الرابعة: قال في النشر: والصحيح أن السكت مقيّد بالسماع والنقل فلا يجوز إلا فيما صحّت الرواية به لمعنى مقصود بذاته كما سيأتي بيانه في التنبيه الخامس في بيان السكت، وقيل: يجوز في رءوس الآي مطلقا أي سواء صحّت الرواية به أم لا حال الوصل لقصد البيان أي بيان أنها رءوس الآي، وبعضهم حمل الحديث الوارد على ذلك اه، وفي المكتفى لأبي عمرو الداني قال: حدّثنا فارس بن أحمد المقرئ: قال: حدّثنا جعفر بن محمد الدقاق قال: حدّثنا عمر بن يوسف قال: حدّثنا الحسين بن شريك قال: حدّثنا أبو حمدون قال: حدّثنا اليزيدي عن أبي عمرو «أنه كان يسكت عند رأس كل آية وكان يقول إنّه أحبّ إليّ إذا
كان رأس آية أن يسكت عندها وقد وردت السّنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند استعماله التقطيع»، كما حدّثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ قال: حدّثنا أحمد بن محمد المكي قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته يقول: {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ (2) الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ (3) مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) [الفاتحة: الآيات 41] ومرقوم فيه على رأس كل آية نقطة حمراء محلّ قوله، ثم يقف» اه.