الوقف فوق رءوس الآي سنّة من ... عليه جبريل بالقرآن قد نزلا
محمّد المصطفى المبعوث من مضر ... ومن إلينا به دين الهدى وصلا
وكان يبدأ بعد الوقف إن صلحت ... بداءة، كن لما قد قلت ممتثلا
أما إذا البدء لم يصلح فكان يرى ... عود البدء لما قبل الذي انفصلا
ووقفه كان تعليما لمستمع ... آي القرآن كما قد قاله النّبلا
فثق بما قلت واحذر قول من يك ... مطلقا لوقف وبدء تبلغ الأملا
وقال كان رسول الله عند رءو ... س الآي بالوقف مشغوفا ومشتغلا
ويبدأن ولم يرجع وذا خطأ ... إن كان ما بعد بدء يورث الخللا
والمصطفى منه معصوم كما وردت ... به الأحاديث والتنزيل قد نزلا
وفي المرعشي نقلا عن بعضهم: إن المراد بالوقف في حديث أم سلمة السكت لأن الوقف والسكت والقطع عبارات يطلقها المتقدمون غالبا ويراد بها الوقف، وأما المتأخرون ففرّقوا بين كلّ منها. وفيه أيضا في المقالة الرابعة: قال في النشر: والصحيح أن السكت مقيّد بالسماع والنقل فلا يجوز إلا فيما صحّت الرواية به لمعنى مقصود بذاته كما سيأتي بيانه في التنبيه الخامس في بيان السكت، وقيل: يجوز في رءوس الآي مطلقا أي سواء صحّت الرواية به أم لا حال الوصل لقصد البيان أي بيان أنها رءوس الآي، وبعضهم حمل الحديث الوارد على ذلك اه، وفي المكتفى لأبي عمرو الداني قال: حدّثنا فارس بن أحمد المقرئ: قال: حدّثنا جعفر بن محمد الدقاق قال: حدّثنا عمر بن يوسف قال: حدّثنا الحسين بن شريك قال: حدّثنا أبو حمدون قال: حدّثنا اليزيدي عن أبي عمرو «أنه كان يسكت عند رأس كل آية وكان يقول إنّه أحبّ إليّ إذا
كان رأس آية أن يسكت عندها وقد وردت السّنة بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند استعماله التقطيع»، كما حدّثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ قال: حدّثنا أحمد بن محمد المكي قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطّع قراءته يقول: {بِسْمِ اللََّهِ الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ (2) الرَّحْمََنِ الرَّحِيمِ (3) مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) [الفاتحة: الآيات 41] ومرقوم فيه على رأس كل آية نقطة حمراء محلّ قوله، ثم يقف» اه.
إذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في الوقف على رءوس بعض الآي فمنهم من اختار الوقف عليها والابتداء بما بعدها لحديث أم سلمة المتقدم، ولم ينظر إلى عدم تمام الكلام كالوقف على قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة: الآية 220] رأس الآية والابتداء بقوله: {فِي الدُّنْيََا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: الآية 220] ، أو على قوله:
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى ََ} (9) [العلق: الآية 9] رأس الآية والابتداء بقوله: {عَبْدًا إِذََا صَلََّى} (10) [العلق: الآية 10] ، ولا إلى إيهام الوقف أو الابتداء معنى فاسدا لا يليق كالوقف على قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} (4) [الماعون: الآية 4] والابتداء ب {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلََاتِهِمْ}
[الماعون: الآية 5] أو على قوله: {أَلََا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} (151) [الصّافات: الآية 151] والابتداء بقوله: {وَلَدَ اللََّهُ} [الصّافات: الآية 152] فهذا وما شابهه لا يخفى ما فيه فتأمل. ومنهم من أجاز الوقف عليها ولم يجوّز الابتداء لما تقدم، ومنهم من أجاز السكت على رأس كل آية أي من دون تنفس فهذه ثلاثة مذاهب تتعلق بالوقف الحسن، فاختر لنفسك منها ما يحلو، والله أعلم.
لكن الذي نقلناه عن مشايخنا مشافهة هو المذهب الأوّل، وهو المشهور عند غالب أهل هذا الفن، ثم اعلم أنه قد يكون الوقف حسنا على تقدير، وكافيا على آخر، وتامّا على غيرهما، نحو قوله: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: الآية 2] يجوز أن يكون حسنا إذا جعل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: الآية 3] نعتا {لِلْمُتَّقِينَ} وأن يكون كافيا إذا جعل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ} رفعا بمعنى هم الذين، أو نصبا. بتقدير أعني الذين ويجوز أن يكون تامّا إذا جعل {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} مبتدأ خبره {أُولََئِكَ عَلى ََ هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: الآية 5] .
وقد يكون الوقف حسنا والابتداء قبيحا نحو قوله: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ} [الممتحنة: الآية 1] فالوقف حسن والابتداء ب {وَإِيََّاكُمْ} [الممتحنة: الآية 1] قبيح لفساد المعنى، إذ يصير تحذيرا عن الإيمان بالله تعالى، وقد يتأكد الوقف الحسن لبيان المعنى المقصود كما تقدم
كالوقف على قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ََ} [البقرة: الآية 246] والابتداء بقوله: {إِذْ قََالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ} [البقرة: الآية 246] لئلا يوهم أن العامل فيه {أَلَمْ تَرَ} . والوقف على قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرََاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتََاهُ اللََّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: الآية 258] والابتداء بقوله: {إِذْ قََالَ إِبْرََاهِيمُ} [البقرة: الآية 258] . والوقف على قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ} [المائدة: الآية 27] والابتداء بقوله: {إِذْ قَرَّبََا قُرْبََانًا} [المائدة: الآية 27] . والوقف على قوله: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ} [يونس: الآية 71] والابتداء بقوله: {إِذْ قََالَ لِقَوْمِهِ} [يونس: الآية 71] . والوقف على قوله: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرََاهِيمَ} (51) [الحجر: الآية 51] والابتداء بقول: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} [الحجر: الآية 52] . والوقف على قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتََابِ مَرْيَمَ} [مريم: