فالجواب: أنه كان يستكمل وجوه قراءاته ممن عنده ما ليس عنده، وكذا نظره في المكتوبات التي قد عرفت كتابتها وتيقّن أمرها فإنها أو أكثرها مما كتب بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا بد من النظر فيها وإن كان حافظا ليستظهر بذلك، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا. وإذا استند الحافظ عند الكتابة إلى أصل يعتمد عليه كان آكد وأثبت.
وفي إرشاد القرّاء والكاتبين: أن زيدا كتب القرآن كلّه بجميع أحرفه وأوجهه المعبّر عنها بالأحرف السبعة الواردة في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» قاله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا جاءه بهشام بن حكيم وقد لبّبه بردائه أي جعله في عنقه وجرّه منه لمّا سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان أوّلا أتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمّتك القرآن على حرف واحد، فقال: «أسأل الله معافاته ومعونته وإن أمّتي لا تطيق ذلك» ، ثم أتاه الثانية بقراءته على حرفين، فقال له مثل ذلك، ثم أتاه الثالثة بثلاثة، فقال مثل ذلك، ثم أتاه الرابعة فقال: «إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيّما حرف قرءوا عليه أصابوا» .
واختلفت أقوال العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو من أربعين قولا، واضطربوا في ذلك اضطرابا كثيرا حتى أفرده بعضهم بالتأليف، مع إجماعهم على أنه ليس المراد أنّ كلّ كلمة تقرأ على سبعة أوجه إذ لا يوجد ذلك إلا في كلمات يسيرة نحو {أَرْجِهْ} [الأعراف: الآية 111، وغيرها] و {وَجِبْرِيلَ} [البقرة: الآية 98، وغيرها] ، وعلى أنه ليس المراد القرّاء السبعة المشهورين.
فذهب بعضهم وصحّحه البيهقي، واقتصر عليه في القاموس إلى أنها لغات.
واختلفوا في تعيينها فقال أبو عبيدة: قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن، وقيل غير ذلك. وقال المحقق ابن الجزري: ولا زلت أستشكل هذا الحديث وأفكّر فيه وأمعن النظر من نحو نيف وثلاثين سنة حتى فتح الله عليّ بما يمكن أن يكون صوابا إن شاء الله تعالى وذلك أني تتبعت القراءات صحيحها وضعيفها وشاذّها فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها وذلك إما في الحركات بلا تغيير في المعنى والصورة نحو (البخل) باثنين، و {يَحْسَبُ} [الهمزة: الآية 3] بوجهين، أو بتغيير في المعنى فقط نحو {فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ} [البقرة: الآية 37] ، وإما في الحروف بتغير في المعنى لا في الصورة نحو {تَبْلُوا} [يونس: الآية 30] و {تَتْلُوا} [البقرة: الآية 102] ، وعكس ذلك نحو {بَسْطَةً} [البقرة: الآية 247] و {بَصْطَةً} ، أو بتغيرهما نحو {أَشَدَّ مِنْكُمْ} [التّوبة: الآية 69] و {مِنْهُمْ} [البقرة: الآية 75] ، وإما في التقديم والتأخير نحو {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التّوبة: الآية 111] ، أو في الزيادة والنقصان نحو {وَوَصََّى} [البقرة: الآية 132] و (أوصى) فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها».
ثم لمّا تمّت الصحف أخذها أبو بكر عنده إلى أن حضره مرض الموت فسلّمها إلى الفاروق رضي الله عنه، فلم تزل عنده إلى أن مات، فأخذتها أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما، فلم تزل عندها إلى أن وقعت غزوة أرمينية في خلافة عثمان رضي الله عنه سنة 30هـ، فاختلف الناس في القرآن اختلافا كثيرا، وهمّوا أن يقتتلوا بسبب ذلك، فجاء حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى عثمان بن عفان وقال: يا أمير المؤمنين أدرك القرآن لئلّا يختلف الناس فيه اختلافا شديدا كاليهود والنصارى في التوراة والإنجيل فقد وقعوا بسبب ذلك الاختلاف في أمر عظيم فاكتبه في مصحف ترجع الناس إليه.