وقال السيوطي في الإتقان: «وأعظم فوائد رسم القرآن أنه حجاب منع أهل الكتب أن يقرءوه على وجه واحد دون موقف» . وقال صاحب غنية الطالبين: «إن القرآن لم يجتمع في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد، وإنما كانت الصحابة رضي الله عنهم قبل
أن يكثر الورق يكتبون ما نزل في القرآن على عسب السّعف جمع عسيب وهو الأصل العريض من جريد النخل، وعلى الألواح من أكتاف الغنم، وغيرها من العظام الطاهرة، والخزف، والأدم أي الجلود مثل رقّ الغزال، واللخاف وهي الحجارة العريضة البيض.
قال في المطالع: «وهذه الأشياء هي التي يطلق عليها اسم المصحف في قولهم:
«مخلّف طه سبحتان ومصحف» ، وكان دأب الصحابة رضي الله عنهم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبادرة إلى حفظ القرآن وتصحيحه وتتبّع وجوه قراءاته. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يعرضه على جبريل عليه السلام في كل عام في رمضان مرة، وفي العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين. وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه قد شهد العرضة الأخيرة، وهي حاكمة على المتقدمات، وهي التي كان يقرئ الناس بها حتى مات رضي الله عنه. ولذلك اعتمده الصّدّيق رضي الله عنه في جمع القرآن على ما سيأتي بيانه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واتصل بربه عزّ وجلّ قام بالأمر بعده أحقّ الناس به أبو بكر رضي الله عنه. وفي خلافته ارتدّت قبائل من العرب، وكان مسيلمة الكذاب وأصحابه منها، وكان يدّعي النبوة بكذبه، فجهّز إليه عصابة من المسلمين أولي بأس شديد، وأمّر عليهم سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه، فقاتلوهم قتالا شديدا، وتأخر الفتح، فقتل من المسلمين ألف ومائتان، منهم سبعمائة من القرّاء، فانهزم المسلمون، فحمل البراء بن مالك على أصحاب مسيلمة، فانهزموا، وتبعهم المسلمون حتى أدخلوهم حديقة، فأغلقوا عليهم بابها، فحمل البراء درقته، وألقى نفسه عليهم حتى حصل معهم في الحديقة، وضاربهم حتى فتح الباب للمسلمين، فدخلوا وقتلوا مسيلمة وأصحابه، وقتل من المسلمين زهاء عشرة آلاف، فسميت حديقة الموت. فلما رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما وقع بقرّاء القرآن، خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر بجمع القرآن، فأرسل أبو بكر رضي الله عنه إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه وأمره بجمع القرآن، فجمعه. قال زيد: «فكنت أتتبع القرآن من المصحف ومن صدور الرجال والرقاع والأكتاف والأضلاع والعسب واللخاف وهي الحجارة العريضة البيض كاللوح» .
فإن قيل: كان زيد حافظا للقرآن وجامعا له فما وجه تتبّعه المذكورات؟
فالجواب: أنه كان يستكمل وجوه قراءاته ممن عنده ما ليس عنده، وكذا نظره في المكتوبات التي قد عرفت كتابتها وتيقّن أمرها فإنها أو أكثرها مما كتب بين يدي النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلا بد من النظر فيها وإن كان حافظا ليستظهر بذلك، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا. وإذا استند الحافظ عند الكتابة إلى أصل يعتمد عليه كان آكد وأثبت.
وفي إرشاد القرّاء والكاتبين: أن زيدا كتب القرآن كلّه بجميع أحرفه وأوجهه المعبّر عنها بالأحرف السبعة الواردة في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» قاله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لمّا جاءه بهشام بن حكيم وقد لبّبه بردائه أي جعله في عنقه وجرّه منه لمّا سمعه يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها له رسول الله صلى الله عليه وسلم.