فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 259

فقلت له: إن جماعة من العلماء ترخّصوا في أمر الرسم وقالوا: إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية؟

فقال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسوم للقرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سرّ من الأسرار خصّ الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية فلا يوجد شيء من هذا الرسم لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في غيرها من الكتب السماوية، فكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز أيضا، وكيف تهتدي العقول إلى سرّ زيادة الألف في {مِائَةَ} [البقرة: الآية 259] دون {فِئَةٍ} [البقرة: الآية 249] ، وإلى سرّ زيادة الياء في (بأييد) [الذاريات:

الآية 47]وبأيّيكم [القلم: الآية 6] أم كيف تتوصل إلى سرّ زيادة الألف في {سَعَوْا}

[الآية 51] بالحج ونقصانها من {سَعَوْا} [الآية 5] بسبإ، وإلى سر زيادتها في {عَتَوْا}

[الأعراف: الآية 166] حيث كان ونقصانها من {وَقََالَ الَّذِينَ لََا يَرْجُونَ لِقََاءَنََا لَوْلََا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلََائِكَةُ أَوْ نَرى ََ رَبَّنََا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} (21) [الآية 21] بالفرقان وإلى سر زيادتها في {يَعْفُوَا الَّذِي} [البقرة: الآية 237] ونقصانها من {يَعْفُوَ عَنْهُمْ} [الآية 99] بالنساء؟ وإلى سر زيادتها في {آمَنُوا} [البقرة: الآية 9] وإسقاطها من {وَبََاؤُ}

[البقرة: الآية 61] و {جََاؤُ} [آل عمران: الآية 184] و {تَبَوَّؤُا} [الحشر: الآية 9] و {فََاؤُ}

[الآية 226] بالبقرة؟

أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض كحذف الألف من {قُرْآنًا} [الآية 2] بيوسف و [الآية 3] بالزخرف، وإثباتها في سائر المواضع، وإثبات الألف بعد واو {سَمََاوََاتٍ} [الآية 12] في فصّلت، وحذفه من غيرها؟

وإثبات الألف في {الْمِيعََادِ} [الأنفال: الآية 42] مطلقا، وحذفها من موضع الأنفال؟

وإثبات الألف في {سِرََاجًا} [الآية 61] حيث وقع، وحذفها من موضع الفرقان؟ وكيف يتوصل إلى فتح بعض التاءات، وربطها في بعض؟ فكلّ ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الربّاني، فهي بمنزلة الألفاظ والحروف المتقطّعة التي في أوائل السور فإن لها أسرارا عظيمة ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها ولا يدركون شيئا من المعاني الإلهية التي أشير إليها، فكذلك أمر الرسم الذي في القرآن حرفا بحرف. [اه. باختصار من الجوهر الفريد] .

وقال السيوطي في الإتقان: «وأعظم فوائد رسم القرآن أنه حجاب منع أهل الكتب أن يقرءوه على وجه واحد دون موقف» . وقال صاحب غنية الطالبين: «إن القرآن لم يجتمع في عهد النبيّ صلى الله عليه وسلم في مصحف واحد، وإنما كانت الصحابة رضي الله عنهم قبل

أن يكثر الورق يكتبون ما نزل في القرآن على عسب السّعف جمع عسيب وهو الأصل العريض من جريد النخل، وعلى الألواح من أكتاف الغنم، وغيرها من العظام الطاهرة، والخزف، والأدم أي الجلود مثل رقّ الغزال، واللخاف وهي الحجارة العريضة البيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت