فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 259

اختلف العلماء رضي الله عنهم في الأفضل: هل هو الترتيل مع قلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى الثاني تمسكا بما رواه ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قرأ حرفا من كتاب الله تعالى فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها» الحديث رواه الترمذي وصححه ورواه غيره: «بكل حرف عشر حسنات» قال الشيخ ابن الجزري رحمه الله تعالى في النشر: «والصحيح، بل الصواب، ما عليه معظم السلف والخلف وهو أن الترتيل والتدوير مع قلّة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها لأن المقصود من القرآن فهمه والتفقّه فيه والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى فهم معانيه، وقد جاء ذلك منصوصا عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم. وسئل مجاهد عن رجلين قرأ أحدهما البقرة، والآخر البقرة وآل عمران في الصلاة، وركوعهما وسجودهما واحد، أيهما أفضل؟ فقال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل. ثم قال ابن الجزري رحمه الله تعالى: وأحسن بعض أئمتنا رحمه الله تعالى فقال: إن ثواب قراءة الترتيل والتدوير أجلّ وأرفع قدرا، وإن كان ثواب كثرة القراءة أكثر عددا فالأول كمن تصدّق بجوهرة عظيمة أو أعتق عبدا قيمته نفيسة، والثاني من تصدّق بعدد كثير من الدنانير، أو أعتق عددا من العبيد قيمتهم رخيصة. وقال الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: اعلم أن الترتيل مستحبّ لا لمجرد التدبر فإن العجمي الذي لا يفهم معنى القرآن يستحبّ له أيضا في القراءة الترتيل والتؤدة لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرا في القلب من الهذرمة والاستعجال لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «شرّ السير الحقحقة» أي السفر في أوّل الليل «وشرّ القراءة الهذرمة» أي السرعة فيها. [اه شرح الشيخ حجازي والبركوي على الدر اليتيم] .

وسئل مالك رضي الله عنه عن الحدر في القرآن؟ فقال: من الناس من إذا حدر كان أخفّ عليه، وإذا رتّل أخطأ، والناس في ذلك على ما يخفّ، وذلك واسع. وقال القاضي أبو الوليد الطرطوشي: معنى هذا أنه يستحبّ لكل إنسان ما يوافق طبعه ويخفّ عليه فربما يكلّف غير ذلك مما يخالف طبعه فيشقّ عليه ويقطعه ذلك عن القراءة أو الإكثار منها، أما من تساوى عنده الأمران: فالترتيل أولى. وإلى تفضيل الترتيل أشار الخاقاني في منظومته بقوله:

وترتيلنا القرآن أفضل للذي ... أمرنا به من لبثنا فيه والفكر

ومهما حدرنا درسنا فمرخّص ... لنا فيه إذ دين العباد إلى اليسر

[اه. شرح نونية السخاوي] .

وينبغي أن يتحفّظ في الترتيل عن التمطيط، وفي الحدر عن الإدماج والتخليط فإن القراءة كما قيل بمنزلة البياض إن قلّ صار سمرة، وإن كثر صار برصا. قال إمام المحققين حمزة الكوفي لبعض من سمعه يبالغ في ذلك أي في التحقيق: «أما علمت أنّ ما فوق الجعودة فهو قطط، وما فوق البياض فهو برص، وما كان فوق القراءة فليس بقراءة» . وإلى هذا المعنى أشار الخاقاني رحمه الله تعالى بقوله:

فذو الحذق معط للحروف حقوقها ... إذا رتّل القرآن أو كان ذا حدر

تتمة:

اعلم أنه لا خلاف بين القراء في جواز القراءة بكلّ من الأنواع المتقدمة، ومع ذلك فمذاهبهم مختلفة فكان ورش وحمزة يذهبان إلى الترتيل الذي هو نوع من التحقيق، وعاصم في ذلك دون ورش وحمزة. وكان قالون وابن كثير وأبو عمرو يذهبون إلى الحدر والسهولة في التلاوة، وكان ابن عامر والكسائي يذهبان إلى التوسط فقراءتهما بين الترتيل والحدر. قال بعض شرّاح الجزرية: وما ذكر من تخصيص كلّ مرتبة بعض القرّاء هو الغالب على قراءة القرّاء السبعة، وإلا فكلّ القرّاء يجيز كلّا من المراتب المتقدمة. اه.

الفصل الثالث في بيان الأمور المحرّمة التي ابتدعها القرّاء في قراءة القرآن

اعلم أن قرّاء زماننا ابتدعوا في القراءة أشياء كثيرة لا تحلّ ولا تجوز لأنها تكون في القراءة إما بزيادة على الحدّ المتقدّم بيانه، أو بنقص عنه، وذلك بواسطة الأنغام لأجل صرف الناس إلى سماعهم والإصغاء إلى نغماتهم.

فمن ذلك القراءة بالألحان المطربة المرجعة كترجيع الغناء فإن ذلك ممنوع لما فيه من إخراج التلاوة عن أوضاعها، وتشبيه كلام ربّ العزّة بالأغاني التي يقصد بها الطرب. ولم يزل السلف ينهون عن التطريب روي أن رجلا قرأ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فطرّب، فأنكر ذلك عليه القاسم بن محمد وقال: يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمََّا جََاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ (41) لََا يَأْتِيهِ الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) [فصّلت: الآيتان 41، 42] وقال مالك: «لا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره لأنه يشبه الغناء» ، وقال الحافظ السيوطي في الإتقان: وأما القراءة بالألحان فنصّ الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر أنه لا بأس بها ما لم تخرج القراءة عن حدّ القرآن، وإلا فتكون القراءة بالألحان حراما اه. وعن رواية الربيع الجيزي أنها مكروهة. قال الرافعي: «فقال الجمهور: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرط في المدّ وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة» . قال النووي في زوائد الروضة: الصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسّق به القارئ، ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن منهجه القويم. قال: وهذا مراد الشافعي بالكراهة» اه. وقد علم بذلك أن القائلين بجواز قراءة القرآن بالألحان يشترطون عدم الإفراط والزيادة وإشباع الحركات لأن ذلك يؤدّي إلى الزيادة في القرآن، وهو ممنوع، وإلى هذا المعنى أشار الجعبري بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت