فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 259

اعلم أن قرّاء زماننا ابتدعوا في القراءة أشياء كثيرة لا تحلّ ولا تجوز لأنها تكون في القراءة إما بزيادة على الحدّ المتقدّم بيانه، أو بنقص عنه، وذلك بواسطة الأنغام لأجل صرف الناس إلى سماعهم والإصغاء إلى نغماتهم.

فمن ذلك القراءة بالألحان المطربة المرجعة كترجيع الغناء فإن ذلك ممنوع لما فيه من إخراج التلاوة عن أوضاعها، وتشبيه كلام ربّ العزّة بالأغاني التي يقصد بها الطرب. ولم يزل السلف ينهون عن التطريب روي أن رجلا قرأ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فطرّب، فأنكر ذلك عليه القاسم بن محمد وقال: يقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمََّا جََاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ (41) لََا يَأْتِيهِ الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) [فصّلت: الآيتان 41، 42] وقال مالك: «لا تعجبني القراءة بالألحان، ولا أحبها في رمضان ولا في غيره لأنه يشبه الغناء» ، وقال الحافظ السيوطي في الإتقان: وأما القراءة بالألحان فنصّ الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر أنه لا بأس بها ما لم تخرج القراءة عن حدّ القرآن، وإلا فتكون القراءة بالألحان حراما اه. وعن رواية الربيع الجيزي أنها مكروهة. قال الرافعي: «فقال الجمهور: ليست على قولين، بل المكروه أن يفرط في المدّ وفي إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة ياء، أو يدغم في غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة» . قال النووي في زوائد الروضة: الصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسّق به القارئ، ويأثم به المستمع لأنه عدل به عن منهجه القويم. قال: وهذا مراد الشافعي بالكراهة» اه. وقد علم بذلك أن القائلين بجواز قراءة القرآن بالألحان يشترطون عدم الإفراط والزيادة وإشباع الحركات لأن ذلك يؤدّي إلى الزيادة في القرآن، وهو ممنوع، وإلى هذا المعنى أشار الجعبري بقوله:

اقرأ بألحان الأعارب طبعها ... وأجيزت الأنغام بالميزان

ومنها شيء يسمى بالترقيص ومعناه أن الشخص يرقّص صوته بالقرآن فيزيد في حروف المدّ حركات بحيث يصير كالمتكسر الذي يفعل الرقص. وقال بعضهم: هو أن يروم السكت على الساكن ثم ينفر عنه مع الحركة في عدو وهرولة.

ومنها شيء يسمى بالتحزين وهو أن يترك القارئ طباعه وعادته في التلاوة، ويأتي بها على وجه آخر كأنه حزين يكاد أن يبكي من خشوع وخضوع، وإنما نهي عنه لما فيه من الرياء.

ومنها شيء يسمى بالترعيد ومعناه أن الشخص يرعّد صوته بالقرآن كأنه يرعد من شدة برد أو ألم أصابه.

ومنها شيء آخر يسمى بالتحريف أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون ويقرءون بصوت واحد فيقطّعون القراءة، ويأتي بعضهم ببعض الكلمة والآخر ببعضها الآخر، ويحافظون

على مراعاة الأصوات، ولا ينظرون إلى ما يترتب على ذلك من الإخلال بالثواب فضلا عن الإخلال بتعظيم كلام الجبار! فكلّ ذلك حرام يمتنع قبوله ويجب ردّه وإنكاره على مرتكبه [اه. شرح ابن غازي] ، ولذلك أشار بعضهم فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت