ومنها شيء آخر يسمى بالتحريف أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون ويقرءون بصوت واحد فيقطّعون القراءة، ويأتي بعضهم ببعض الكلمة والآخر ببعضها الآخر، ويحافظون
على مراعاة الأصوات، ولا ينظرون إلى ما يترتب على ذلك من الإخلال بالثواب فضلا عن الإخلال بتعظيم كلام الجبار! فكلّ ذلك حرام يمتنع قبوله ويجب ردّه وإنكاره على مرتكبه [اه. شرح ابن غازي] ، ولذلك أشار بعضهم فقال:
حدود حروف الذّكر في لفظ قارئ ... بحدر وتحقيق ودور مرتّلا
فإنّي رأيت البعض يتلو القرآن لا ... يراعي حدود الحرف وزنا ومنزلا
فمنهم بترقيص ولحن وضجّة ... ومنهم بترعيد ونوح تبدّلا
فما كلّ من يتلو القرآن يقيمه ... ولا كلّ من يقرأ فيقرأ مجمّلا
فذر نطق أعجام وما اخترعوا به ... وخذ نطق عرب بالفصاحة سوّلا
فيا قارئ القرآن أجمل أداءه ... يضاعف لك الرحمن أجرا فأجزلا
وقد بقي من الأمور المبتدعة في قراءة القرآن أشياء كثيرة أيضا منها القراءة باللين والرخاوة في الحروف، وكونها غير صلبة بحيث تشبه قراءة الكسلان. ومنها النّفر بالحروف عند النطق بها بحيث يشبه المتشاجر. ومنها تقطيع الحروف بعضها من بعض بما يشبه السكت خصوصا الحروف المظهرة قصدا في زيادة بيانها إذ الإظهار له حدّ معلوم اه. ومنها عدم بيان الحرف المبدوء به والموقوف عليه، وكثير من الناس يتساهلون فيهما حتى لا يكاد يسمع لهما صوت. ومنها إشباع الحركات بحيث يتولد منها حروف مدّ، وربما يفسد المعنى بذلك. ومنها أن يبلغ القارئ بالقلقلة في حروفها رتبة الحركة. ومنها إعطاء الحرف صفة مجاورة قوية كانت أو ضعيفة. ومنها تفخيم الراء الساكنة إذا كان قبلها سبب ترقيقها. ومنها إشراب الحرف بغيره. ومنها إشباع حركة الحرف الذي قبل الحرف الموقوف عليه بحيث يتولد منه حرف مدّ، وكثير من الناس يفعله. ومنها إبدال الحرف بغيره. ومنها تخفيف الحرف المثقّل وعكسه خصوصا الحرف الموقوف عليه. ومنها تحريك الحروف السواكن كعكسه. ومنها زيادة المد في حروفه على المدّ الطبيعي بلا سبب. ومنها النقص عن المد الطبيعي في حروفه، لكن هذا النقص أفحش من تلك الزيادة لأن الزيادة قد عهدت، وذلك إذا وجد السبب وارتفع المانع كما سيأتي بيانه، بخلاف النّقص فإنه لم يعهد في حالة أصلا. ومنها المبالغة في إخفاء الحروف بحيث يشبه المدّ. ومنها ضم الشفتين عند النطق بالحروف المفخمة المفتوحة لأجل المبالغة في التفخيم. ومنها شوب الحروف المرقّقة شيئا من الإمالة ظنّا من القارئ أن ذلك مبالغة في الترقيق. ومنها الإفراط في المد زيادة عن مقداره لأن المدّ له حدّ يوقف عنده ومقدار لا يجوز تجاوزه، ومراتب القراء فيه مختلفة بحسب تفاوتهم في
الترتيل والحدر والتوسّط، وسيأتي بيان ذلك. ومنها مدّ ما لا مدّ فيه كمدّ واو {مََالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (4) [الفاتحة: الآية 4] وصلا، وياء {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}
[الفاتحة: الآية 7] كذلك لأن الواو والياء إذا انفتح ما قبلهما كانا حرفي لين لا مدّ فيهما، ولكنهما قابلان للمدّ عند ملاقاة سببه وهو الهمز أو السكون. ومنها تشديد الهمزة إذا وقعت بعد حرف المدّ ظنّا منه أنه مبالغة في تحقيقها وبيانها نحو {أُولََئِكَ} [البقرة: الآية 5، وغيرها] و {يََا أَيُّهَا} [البقرة: الآية 21، وغيرها] . ومنها لوك الحرف ككلام السكران فإنه لاسترخاء لسانه وأعضائه بسبب السكر تذهب فصاحة كلامه. ومنها المبالغة في نبر الهمزة وضغط صوتها حتى تشبه صوت المتهوّع وهو المتقيّئ. وقد أشار إلى بعض ذلك الإمام السخاوي في منظومته بقوله: