«من قرأ القرآن فليسأل الله به فإنه سيأتي قوم يقرءون القرآن يسألون به الناس» . وأن يستحضر في ذهنه أنه يناجي ربّه ويتلو كتابه فيقرأ على حالة من يرى الله تعالى فإن لم يكن يراه فإنّ الله سبحانه وتعالى يراه، ثم إذا أراد القراءة نظّف فاه بالخلال ثم بالسواك لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن أفواهكم طرق القرآن فطيّبوها بالسواك» ويقول عند الاستياك: «اللهمّ بارك
لي فيه يا أرحم الرّاحمين» ويمرّ السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه وسقف حلقه إمرارا لطيفا. أمّا متنجّس الفم: فتكره له القراءة، وقيل: تحرم كمسّ المصحف باليد النجسة. ويسنّ أن يكون متطهرا متطيّبا بماء ورد ونحوه لأنه أفضل الأذكار. وإذا عرض له خروج ريح فليمسك عن القراءة حتى يتكمل خروجها ثم يعود إلى قراءته، رواه أبو داود عن عطاء بن أبي رباح. قال النووي: وهو أدب حسن، وكذلك إذا تثاءب أمسك عنها أيضا حتى ينقضي التثاؤب لأنه إذا قرأ فهو مخاطب لربه ومناج له، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد: «إذا تثاءبت وأنت تقرأ فأمسك عن القراءة تعظيما وإجلالا للقرآن» . وأن يقرأ في مكان نظيف، وأفضله المسجد، وكره قوم القراءة في الحمّام والطريق. قال النووي: ومذهبنا: لا تكره فيهما». وفي الإتقان: «وأن لا يقرأ في الأسواق ولا في مواطن اللّغط واللغو ومجمع السفهاء ألا ترى أن الله تعالى ذكر عباد الرحمن وأثنى عليهم بأنهم إذا مرّوا باللغو مرّوا كراما، هذا المرور بنفسه، فكيف إذا مرّ بالقرآن الكريم تلاوة بين ظهراني أهل اللغو السفهاء!» . وأن يجتنب الضحك والحديث الأجنبي خلال القراءة إلا لحاجة. قال الحليمي: لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره. وأيّده البيهقي بما في الصحيح: «كان ابن عمر رضي الله عنه إذا قرأ القرآن لا يتكلم حتى يفرغ منها أي من القراءة» .
ويسنّ أن يلبس ثياب التجمّل كما يلبسها للدخول على الأمير لأنه يناجي ربه، وأن يجلس عند القراءة مستقبل القبلة، وأن يكون جلوسه بسكينة ووقار، مطرقا رأسه، غير متربّع ولا جالس على هيئة التكبّر.
وأن يستعيذ الله من الشيطان الرجيم قبل القراءة لقوله تعالى: {فَإِذََا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ الشَّيْطََانِ الرَّجِيمِ} (98) [النّحل: الآية 98] أي إذا أردت قراءته وهو الذي عليه الجمهور قديما وحديثا. وذهب قوم إلى أنه يتعوّذ بعدها لظاهر الآية، وقوم إلى وجوبها لظاهر الأمر. وصيغته المختارة عند عامة الفقهاء وجميع القرّاء «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وأما الجهر بها: فقال الداني: لا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القراءة قال ابن القاصح: وهذا في استعاذة القارئ على المقرئ، أو بحضرة من يسمع قراءته، أما من قرأ خاليا أو في الصلاة: فالإخفاء أولى، ويكفيه تعوّذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أو فصل طويل كالفصل بين الركعات أي بأن يكون بين القراءتين قدر ركعة بأركانها وسننها، وإلا فلا يطلب تعوّذ ثان. قال ابن الجزري: وهل هي سنّة عين أو سنّة كفاية؟ حتى لو قرأ جماعة جملة فهل تكفي استعاذة واحد منهم كالتسمية على الأكل؟ أم لا؟. لم أر فيه نصّا، والظاهر
الأوّل لأن المقصود اعتصام القارئ بالله والتجاؤه إليه من شر الشيطان فلا يكون تعوّذ واحد كافيا عن آخر. اه.