وأن يستعيذ الله من الشيطان الرجيم قبل القراءة لقوله تعالى: {فَإِذََا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللََّهِ مِنَ الشَّيْطََانِ الرَّجِيمِ} (98) [النّحل: الآية 98] أي إذا أردت قراءته وهو الذي عليه الجمهور قديما وحديثا. وذهب قوم إلى أنه يتعوّذ بعدها لظاهر الآية، وقوم إلى وجوبها لظاهر الأمر. وصيغته المختارة عند عامة الفقهاء وجميع القرّاء «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وأما الجهر بها: فقال الداني: لا أعلم خلافا بين أهل الأداء في الجهر بها عند افتتاح القراءة قال ابن القاصح: وهذا في استعاذة القارئ على المقرئ، أو بحضرة من يسمع قراءته، أما من قرأ خاليا أو في الصلاة: فالإخفاء أولى، ويكفيه تعوّذ واحد ما لم يقطع قراءته بكلام أو فصل طويل كالفصل بين الركعات أي بأن يكون بين القراءتين قدر ركعة بأركانها وسننها، وإلا فلا يطلب تعوّذ ثان. قال ابن الجزري: وهل هي سنّة عين أو سنّة كفاية؟ حتى لو قرأ جماعة جملة فهل تكفي استعاذة واحد منهم كالتسمية على الأكل؟ أم لا؟. لم أر فيه نصّا، والظاهر
الأوّل لأن المقصود اعتصام القارئ بالله والتجاؤه إليه من شر الشيطان فلا يكون تعوّذ واحد كافيا عن آخر. اه.
وليحافظ على قراءة البسملة أوّل كلّ سورة غير براءة لأن أكثر العلماء على أنها آية من أوّل كل سورة، فإذا أخلّ بها كان تاركا لبعض الختمة عند الأكثرين، أما في الابتداء بما بعد أوائل السور ولو بكلمة فتجوز البسملة وعدمها لكلّ من القراء تخييرا، كذا أطلق الشاطبي كالداني في التيسير، وعلى اختيار البسملة جمهور العراقيين، وعلى اختيار عدمها جمهور المغاربة. ومنهم من خصّ الإتيان بالبسملة بمن فصل بها بين السورتين كقالون ومن معه، وخصّ تركها بمن لم يفصل بها كحمزة ومن معه، ويجوز على ترك البسملة ترك الوقف من التعوّذ ووصله بالقراءة إلا أن يكون أوّل القراءة اسم جلالة أو نحو {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السََّاعَةِ} [فصّلت: الآية 47] أو {هُوَ اللََّهُ الَّذِي لََا إِلََهَ إِلََّا هُوَ عََالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهََادَةِ} [الحشر: الآية 22] فالأولى الوقف لما في الوصل من البشاعة.
واختلف المتأخرون في أجزاء براءة [التوبة] : هل هي كغيرها من السور أم لا؟
اختار السخاويّ الجواز، وإلى المنع ذهب الجعبريّ، والصواب كما في النشر أن يقال: إن من ذهب إلى ترك البسملة في أواسط غير براءة لا إشكال عنده في تركها في وسط براءة، وكذلك لا إشكال في تركها فيها عند من ذهب إلى التفصيل إذ البسملة عندهم في وسط السورة تابعة لأوّلها، ولا تجوز البسملة في أوّلها عند الأكثر، فكذلك في وسطها. وأما من ذهب إلى البسملة في الأجزاء مطلقا: فإن اعتبر أصل العلّة التي من أجلها حذفت البسملة وهي نزولها بالسيف كالشاطبي ومن تبعه: لم يبسمل، وإن لم يعتبر بقاء أثرها ولم يرها علّة: بسمل بلا نظر.
قال ابن غازي: والسنّة أن يصل البسملة بالحمدلة، وأن يجهر بها حيث يشرع الجهر بالقراءة.
قال بعضهم: اعلم أن العلماء اختلفوا في الجهر والإسرار بالقرآن، ورووا في فضل كلّ منهما أحاديث كثيرة وآثارا مشهورة فمما يدل على استحباب الإسرار ما روي أنه صلّى الله عليه وسلم قال: «فضل قراءة السّرّ على قراءة العلانية كفضل صدقة السّرّ على صدقة العلانية» وفي لفظ آخر: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسرّ به كالمسر بالصدقة» .
وفي الخبر العام: يفضّل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفا، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفى» . وفي الخبر: «لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين المغرب والعشاء» . ومما يدلّ على استحباب الجهر ما روي
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع جماعة من أصحابه يجهرون في صلاة الليل، فصوّب ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل يصلّي فليجهر بالقراءة فإن الملائكة وعمّار الدار يسمعون قراءته ويصلّون بصلاته» . ومرّ صلى الله عليه وسلم بثلاثة من أصحابه رضي الله عنهم مختلفي الأحوال فمرّ على أبي بكر رضي الله عنه وهو يخافت فسأله عن ذلك فقال: «إن الذي أناجيه هو يسمعني» ، ومرّ على عمر رضي الله عنه وهو يجهر فسأله عن ذلك فقال: «أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان وأرضي الرحمن» ، ومرّ على بلال رضي الله عنه وهو يقرأ آيا من هذه السورة وآيا من هذه السورة، ويسرّ تارة ويجهر أخرى، فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيّب بالطيّب، وأنتقل من بستان، إلى بستان. فقال صلى الله عليه وسلم: «كلّكم قد أحسن وأصاب» فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أفضل حيث خاف الرياء أو تأذّى به مصلّون أو نيام، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدّى القارئ إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط. ويدلّ لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد: «اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا كلّكم مناج لربّه فلا يؤذينّ بعضكم بعضا ولا يرفعنّ بعضكم على بعض في القراءة» وقال بعضهم: يستحبّ الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المسرّ قد يملّ، فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار. اه.