وفي الخبر العام: يفضّل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفا، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلم: «خير الرزق ما يكفي، وخير الذكر الخفى» . وفي الخبر: «لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين المغرب والعشاء» . ومما يدلّ على استحباب الجهر ما روي
أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سمع جماعة من أصحابه يجهرون في صلاة الليل، فصوّب ذلك. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل يصلّي فليجهر بالقراءة فإن الملائكة وعمّار الدار يسمعون قراءته ويصلّون بصلاته» . ومرّ صلى الله عليه وسلم بثلاثة من أصحابه رضي الله عنهم مختلفي الأحوال فمرّ على أبي بكر رضي الله عنه وهو يخافت فسأله عن ذلك فقال: «إن الذي أناجيه هو يسمعني» ، ومرّ على عمر رضي الله عنه وهو يجهر فسأله عن ذلك فقال: «أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان وأرضي الرحمن» ، ومرّ على بلال رضي الله عنه وهو يقرأ آيا من هذه السورة وآيا من هذه السورة، ويسرّ تارة ويجهر أخرى، فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيّب بالطيّب، وأنتقل من بستان، إلى بستان. فقال صلى الله عليه وسلم: «كلّكم قد أحسن وأصاب» فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أفضل حيث خاف الرياء أو تأذّى به مصلّون أو نيام، والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدّى القارئ إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط. ويدلّ لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد: «اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: «ألا كلّكم مناج لربّه فلا يؤذينّ بعضكم بعضا ولا يرفعنّ بعضكم على بعض في القراءة» وقال بعضهم: يستحبّ الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المسرّ قد يملّ، فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار. اه.
ويسنّ أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه. وإذا مرّ بأحد وهو يقرأ فيستحبّ له أن يقطع القراءة ويسلّم ثم يرجع لقراءته، ولو أعاد التعوّذ كان حسنا، ويقطعها لردّ السلام وجوبا، وللحمد بعد العطاس، وللتشميت، ولإجابة المؤذن ندبا، وإذا ورد عليه من فيه فضيلة من علم أو صلاح أو شرف: فلا بأس بالقيام له على سبيل الإكرام لا للرياء. ويسنّ أن يقرأ على ترتيب المصحف قال في شرح المذهب:
لأن ترتيبه لحكمة فلا يتركها إلا فيما ورد به الشرع كصلاة صبح يوم الجمعة ب {الم (2) تَنْزِيلُ} [السجدة: الآيتان 1، 2] و {هَلْ أَتى ََ عَلَى الْإِنْسََانِ} [الإنسان: الآية 1] ونظائره، فلو فرّق السّور أو عكسها جاز، وقد ترك الأفضل. وأن يلتقط الآيات من كل سورة فيقرأها فإنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مرّ ببلال رضي الله عنه وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة، «فقال: «يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة؟» قال: أخلط الطيّب بالطيّب فقال: «اقرأ السورة على وجهها» أو قال: «على نحوها» . وقال ابن عوف: سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها؟ قال: ليتّق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر.
وأن يقرأه بالترتيل لقوله: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمّل: الآية 4] قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن اقرأ البقرة وآل عمران أرتّلهما وأتدبرهما أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن كلّه هذرمة. وأن يقرأه بالتدبر والتفهّم لأنه المقصود الأعظم والمطلوب الأهمّ، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، قال تعالى: {كِتََابٌ أَنْزَلْنََاهُ إِلَيْكَ مُبََارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيََاتِهِ}
[ص: الآية 29] وقال: {أَفَلََا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} [النّساء: الآية 82] . وصفة ذلك أن يشغل قلبه بالتفكّر في معنى ما يلفظ به، فيعرف معنى كلّ آية ويتأمل الأوامر والنواهي، ويعتقد قبول ذلك، فإن كان مما قصّر عنه فيما مضى اعتذر واستغفر، وإذا مرّ بآية فيها اسم محمد صلّى الله عليه وسلم صلّى الله عليه سواء القارئ والمستمع، ويتأكد ذلك عند قوله: {إِنَّ اللََّهَ وَمَلََائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يََا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) [الأحزاب: